265

Al-wuzarāʾ waʾl-kuttāb

الوزراء والكتاب

[146_2]

فلما أمسيت أقمت ليلتي في المجلس بالجسر في الجانب الشرقي، أتوقع خبرا يرد علي من الرشيد، ووكلت من يراعي رسولا أو كتابا يرد من الرشيد، فلما كان في السحر وافى فرانق ينعر على بغل، تحته خرج فيه جثة جعفر مقطوعة نصفين، وكتاب الرشيد إلي بصلب كل نصف على أحد الجسرين، ففعلت ذلك.

فلما كان بعد سنة من ذلك، خرج الرشيد فجلس في مجلس الجسر الشرقي، وأحرق جثة جعفر، وكان قد قدم من اليمن بالهيضم، وكان قد خرج بها، وبأسراء معه، فقدمهم فضرب أعناقهم بين يديه، وكان أخرهم عديلا للهيضم، فلما تقدم السياف لضرب عنقه قال: قل لأمير المؤمنين: إن عندي نصيحة، قال السندي: فوقف السياف عن ضرب عنقه، وأخبرني بما قال، فأتيته وقلت: ما نصيحتك؟ قال أعلم أمير المؤمنين أني الحفصي - وهو أبو عبد الله الذي كان يغني للمتوكل - وأني أحذق الناس بغناء المعزفة وضربها، ولم تكن المعزفة عرفت بالعراق قبل ذلك. قال السندي: فأعلمت الرشيد. قال: فأمره بالإمساك عنه واستبقائه، ثم دعا به من يومه وقد جلس للشرب، فغناه فأطربه، فوهب له ثلاثين ألف درهم، وصيره في جملة المغنين الذين يحضرون مجلسه.

وحكي عن الأصمعي قال:

لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي ليلا، فراعني، وأعجلني الرسل، فزادوا في وجلي، فصرت إليه، فلما مثلت بين يديه أومأ إلي بالجلوس، فجلست، ثم قال:

لو أن جعفر أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمر ملجم

ولكان من حذر المنون بحيث لا ... يرجو اللحاق به العقاب القشعم

لكنه لما تقارب يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم

ثم قال لي: الحق بأهلك. فنهضت ولم أحر جوابا، وفكرت فلم أعرف لما كان منه معنى، إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه.

Page 265