133

al-wiʿāʾ al-marmarī

الوعاء المرمري

Genres

وقالت طليبة وقد فطنت إلى دهشته: ذهبوا يبحثون عنك كما ذهبت أنا، أو لعلهم ذهبوا يبحثون عن جثتك عندما قلت لهم إن الرجل لا بد قاتلك. لم يره أحد في ركن من السوق بعد أن جاسوا خلالها.

فقال سيف: وكيف وجدته أنت؟

فقالت: ذهبت إلى منزله. نعم، ذهبت إلى منزله فقد كنت أعرفه أيها الفتى. لست أعبأ بما تظن. هم يشتهون وأنا أغوي، وهم يسخرونني لمتعتهم وأنا أسخرهم وأتمتع برؤية قلقهم، وتزيد متعتي كلما رأيت قلقهم يشتد عندما يعودون بالخيبة.

ونظرت إليه كأنها في موقف إغراء، ثم عبست وحولت عينيها كامرأة تستلهم طبيعتها، ثم قالت فجأة: لم جئت إلى هنا؟ دعني أذهب إلى الحانة لأقضي سائر ليلتي أرقص وحدي وأشرب حتى يطلع الصباح. سأرقص وأرقص حتى أعيا، وأشرب حتى لا أعي. فغدا لا رقص ولا شراب، وسيعلم الجميع أني قتلت نفيل بن حبيب، غدا يمزقونني إربا إربا، ولكني سأكون مخمورة.

ثم ضحكت حتى ظن سيف أنها لا تمسك عن الضحك، وأحس اشمئزازا كأنه حقا أمام أنثى من الوحش.

وفي مثل لمحة البصر وثبت وثبة فتعلقت في عنقه بيديها، وألقت رأسها على صدره وجعلت تتشنج منتفضة.

ومضت لحظة لم يدر سيف كيف كان يصف شعوره فيها، ولم يعرف ما تكون حركتها المقبلة، كأنما هي هرة وحشية حقا.

ثم انفلتت منه في وثبة أخرى، وأخذ تعدو على الرمال متعثرة، فاندفع سيف وراءها وأمسك بها قائلا: قفي هنا.

ثم ألقاها كما يلقي حشرة، فلم تحاول مقاومة. وعاد إلى الخيام فأتى بفرسين عليهما عدة السفر، وعاد إليها فقال: أتركبين؟

فوثبت خفيفة بغير أن تجيب، وسارت معه في صمت حتى بعدا عن مضارب الخيام واتجها نحو الشمال. وكان القمر يميل إلى الأفق، لا يزيد على حلقة حمراء خابية، والسكون لا يقطعه صوت حشرة. وعلا صوت حوافر الفرسين بعد قليل، فارتاح سيف إلى أنه خرج إلى أرض صلبة، لا يستطيع أحد أن يتبع أثرهما فيها.

Unknown page