وبانخذال لامورسيبر نستطيع أن نقول: إن الوحدة الإيطالية قد تمت وهي تكاد تتم، فما عدا فنيسيه وطرانتينا في الشمال وروما وممتلكات البابا في الساحل؛ حيث لا تزال القطعات الإفرنسية تحتلها بين «كابوليه وجايته»، فقد تحررت جميع إيطالية بيد أن الخطر أخذ الآن يهدد إيطالية بانشقاق القوميين، فغاريبالدي يسيء الظن بكافور وأخذ هذا الظن يتزايد بتأثير الحاشية التي تحيط به، ولا سيما بعد أن بلغه خبر مكذوب يقول بأن كافور قد تخلى عن ساردينه لفرنسة لقاء حرية الحركة في إيطالية، وقد صمم على أن لا يضع سيفه في غمده إلا بعد أن يحرر روما، واعتزم على أن يبقى دكتاتورا في صقلية ونابولي ما دامت المهمة التي أخذها على عاتقه لم تنجز.
وكان كافور أيضا - بدوره - يرتاب في غاريبالدي ويدرك مقدار الخطر الذي يهدد البلاد من بعض خططه الطائشة ضد روما، وأخذ يخشى أن تعم الفوضى في نابولي كما عمت في صقلية، وقد حاول كافور حتى بعد فشل رجاله في نابولي أن يسبق غاريبالدي بتعيين برسانو أو فيللا مارينا أو كونت سبراكوزة دكتاتورا على نابولي قبل وصول غاريبالدي إليها، ولما قيل له بأن هذا العمل يؤدي إلى حرب أهلية تحدى غاريبالدي بأن عمل على تأسيس حكومة مؤقتة، ومع أن اللجان الثورية أقامت حكومة مؤقتة في نابولي بعد فرار فرنسوا إلا أنه تم الاتفاق على أن تعلن الحكومة المؤقتة غاريبالدي دكتاتورا باسم فكتور عمانوئيل.
ولما وصل غاريبالدي إلى نابولي أقصى أعضاء الحكومة المؤقتة عن العمل ووضع الأسطول النابولي تحت إمرة الأميرال برسانو وسلم دار الصناعة إلى قوة بيمونتية وأعلن بأن جميع أعمال الحكومة تحت اسم الملك، وبعد بضعة أيام أصدر إرادة تقضي بأن يكون الدستور البيمونتي مرعيا وأن تكون القوانين البيمونتية في القضاء والجيش نافذة، وألغى المصالح القنصلية الخاصة بمملكة نابولي كما ألغى جميع الحواجز الجمركية الموجودة بين المملكة وباقي أقسام إيطالية، ولكن الرجال المحيطين به استطاعوا أن يوغروا صدره ضد كافور بحيث أصبحت نابولي عشا لأعداء كافور، وسارع مازيني بالمجيء إلى نابولي وأصبح برتاني سكرتيرا للدكتاتور ورسم منهجا واسعا معقولا للإصلاحات الاجتماعية، وكان يتضمن إدخال طريقة تدريس منتجة مؤثرة، وتحويل أرض الكنيسة وأملاك الأشراف إلى خزينة الدولة، وتوسيع شبكة السكك الحديدية والخطوط البرقية، وتأسيس صناديق للتوفير وتنظيم الأعمال الخيرية وإصلاح مؤسساتها، وتعميم الخدمة الصحية، وهدم مواخير الرجس في نابولي.
ومما يؤسف له أن يصبح برتاني مرجعا للحزب الذي يحول دون وجود حكومة مستقرة، وظل غاريبالدي مصمما على الذهاب إلى روما وتأخير إعلان ضم نابولي ريثما يتوج فيكتور عمانوئيل في الكابيتول، وعبثا حاول برسانو أن يردعه عن ذلك وعبثا أبان له السفير البريطاني «أليوت» عواقب تلك الخطة وأخطارها، ولم يعبأ بكل ذلك بل إنه كان موقنا بأن الأربعين ألف جندي الذين كانوا لا يزالون مخلصين لآل بوربون سوف يؤسسون نواة الجيش الإيطالي في نابولي.
واعتقد بأن الإفرنسيين لن يقاتلوا في سبيل السلطة الزمنية وأن هنغارية تنتظر الإشارة لتثور وتصبح فنيسيه لقمة سائغة للقوات المتحدة المؤلفة من جنود جميع أنحاء إيطالية، ولما رأى دبريتسي في صقلية لا يزال يسعى لضم الجزيرة أقصاه عن العمل وعين بدلا عنه «موردينو» وهو من المعارضين لفكرة الانضمام.
وقد نشب الجدل ذاته بمقياس أوسع في نابولي على أن شبه الجزيرة كلها كانت متشوقة للانضمام كصقلية، ومع ذلك فقد نجمت أمور لم تكن تدعوا إلى الارتياح فالشرطة من رجال الكامورا لم تتمسك بحسن السلوك مدة طويلة، ثم إن عناصر الاضطراب والجنود غير المنظمين والمجرمين الذين أطلق سراحهم أخذوا يعيثون بالأمن ويبثون الفوضى كما أن الحركة الرجعية أخذت ترفع رأسها.
ومما زاد في فساد الإدارة أن برتاني ملأها بالأفاقين كما فعل كريسبي في صقلية، وضاعت ثمانون ألف بندقية كانت قد أرسلت لتجهيز الحرس القومي، ووقعت بأيد خطرة، وحين تولى كريسبي وزارة الخارجية نشب النزاع في الحكومة بينه وبين أنصار كافور.
على أن الانتصار الباهر الذي أحرزه جنود غاريبالدي حسن هذا الموقف المخزي، وكان فرنسوا ومعه من أربعين إلى خمسين ألف جندي يرابط وراء نهر فولتورنه، يستند إلى قلعة كابوته بمثابة رأس جسر في الضفة اليسرى من النهر، والخطر يأتي من تقدم هذا الجيش المتفوق بالعدد وتغلبه على المتطوعين واسترداد نابولي.
فلكي يحمي غاريبالدي المدينة من هذا الخطر المتوقع نشر قواته البالغ عددها أربعة وعشرين ألفا، منها عشرة آلاف من كلبريه على خط طوله اثنان وثلاثون كيلو مترا، وفي 1 تشرين الأول هجمت قوات آل بوربون على طول هذا الخط، وكان لديها خيالة ومدفعية كافية وكانت قوتها تفوق قوة المتطوعين ضعفين، فلم يتمكن «ميلينز» في سانتا ماريا ومديجي في سانت أنجليو من الاحتفاظ بموضعهما إلا بشق الأنفس.
وقد احتفظ غاريبالدي باحتياطه إلى الساعة الأخيرة ثم قذف به في المعركة حين خارت قوات الجند النابولي من التعب، فاستطاع غاريبالدي أن يهزمهم وأن يستولي على مواضعهم وأن يطاردهم حتى جدران قلعة كابونه، وكان بيكسيو مع خمسة آلاف من رجاله يشتت شمل ثمانية آلاف صمدوا له في «مدالوني»، ثم إن «برونزيتي» تغلب بثلاثمائة رجل على أربعة آلاف من الجنود في «كاستل مورونه»، وبلغت خسائر غاريبالدي في هذه المعركة 1800 نفس، ويصح القول بأن معركة فولتورنه هذه من ألمع انتصارات إيطالية الحديثة؛ إذ أظهر فيها المتطوعون من المتانة والحمية ما لا تقل عما أظهره جنود بيمونته النظاميون، وكان معظم قطعان آل بوربون من المرتزقة السويسريين والنمسويين الذين قاتلوا قتالا مجيدا، وقد أبرز الرؤساء والرجال مقدرة وشجاعة في الدفاع عن المواضع الضعيفة أمام تفوق عددهم في العدد والعدد.
Unknown page