وتحقق ما كنا نرجوه إذ أتى أحدهما ذات يوم، واقترب ببسمة واضحة الاصطناع، وكانت تلك هي الفرصة التي ينتظرها وجيه، فبدأ حديث بالعربية قائلا: «انقلاب خطير!» وكان محمد الشنواني يراقب وجه صاحبنا، فاطمأن إلى أنه قد بدا عليه الاهتمام، ومن ثم تحول وجيه إلى الإنجليزية، وكانت لهجته تدفعني إلى الضحك، ولكنني كنت أقاوم الضحك وأتصنع الجد، وكان مجمل حديثه هو وصف مباراة لكرة القدم حفظه عن مذيع إنجليزي، ووسط حماسه سأله عادل فريد بالعربية: «ونجحت العملية؟» وأجاب بالإنجليزية: «نو!» واستمر يتحدث عن مهارة الدفاع في صد الهجوم، ويبدو أن صاحبنا قد ضاق صدره فهمس في أذني «هو بيحكي عن محاولة انقلاب؟» وهمست بلهجة حاولت أن تكون جادة إلى أبعد حد «اسكت واسمع». واستمر وجيه يتحدث وإذا بمحمد فريد يصبح قائلا: «يعني بعد كل ده مارضيتش؟» وذهل صاحبنا. وقال عادل: «وهو .. كان قالع؟» وأجابه وجيه بالإنجليزية. ثم قال الشنواني «على رأيك .. أخطر انقلاب في حياته .. قلب حياته رأسا على عقب!»
وفوجئ الجميع بصاحبنا ينفجر قائلا: «انتو بتضحكوا علي؟ أنا عارف انتو بتحكو على إيه!» وقال له عادل: «إنت عارفها؟» وقال محمد: «أنا شفته مع أخوها» وقلت أنا في تؤدة: «الراجل ما يهموش الفضايح الجنسية بتاعتكم ..» ووضعت يدي على كتفه وقلت: «ده راجل فاضل .. وغلطان اللي بيسمع لكم!» وبدت الحيرة على وجهه. وتلعثم ثم انصرف في اضطراب واضح.
وعندما سألني الأسطى فوزي الحلاق أثناء قص شعري عن رأيي في عبد الناصر، هكذا وبصورة مباشرة، قلت له: «رأيي هو رأيك .. إنت رأيك إيه؟» وقال بسرعة «لا .. إنت راجل متعلم .. يعني عاجبك اللي بيقوله على الملك حسين والملك فيصل؟» وبنفس سرعته قلت له: «وإنت شايف إيه؟» وعاد يقول: «أنا عايز أستفيد منك!» وقلت له إنني مواطن مخلص ولا علاقة لي بالسياسة، ولكن لي أصدقاء في جهات عليا سوف أبلغهم بمدى اهتمامك بالحديث عن عبد الناصر! وتوقف الحلاق برهة وفي يده المقص، وبدا أن عبارتي قد أصابت هدفها تماما، فجعل يحدق في المرآة ناظرا إلى صورة وجهي وأنا أتطلع إليه، وقال في صوت خفيض: «أنا ما أقصدش حاجة ..» وبسرعة قلت له «إنت بتتكلم على جمال عبد الناصر بقى لك ساعة!» وضحك ضحكة بدا فيها الحرج وقال: «أهو كلام يا أستاذ محمد .. بناخد وندي في الكلام!» ومنذ تلك اللحظة صار يتحاشى نظراتي إليه في الشارع، ويبدو كالمهموم الذي يحمل أثقالا لا يقوى على حملها.
أما التوءم الذي يعمل عند يونس اللبان فقد حدث له ما صرفه عن مهنة استراق السمع فترة ما؛ إذ كان والد اللبان قد اقتنى زوجة صغيرة جميلة، نقل إليها ملكية العمارة، فأصبحت الآمرة الناهية في محل الألبان باسم زوجها، وكان التوءم لا يطيق أوامر السيدات، فكان يشكو ليونس، ويونس يشكو لي؛ إذ كان طالبا منتسبا في قسم التاريخ، وكان يلجأ إلي لأشرح له ما استعصى عليه في دروس اللغة الإنجليزية، ولم يكن يكترث لوجود التوءم؛ فهو «كاتب حسابات» وحسب، ولكنه كان قد ضاق ذرعا بنمط الحياة في ظل الزوجة الجديدة. وسرعان ما بدا شعاع من الضوء في حياته، ولم يكن الشعاع باهرا ولا جميلا، ولكنه كان يمثل حلا للمشكلة؛ إذ كانت للزوجة ابنة من زيجة سابقة، وكانت تزعم أنها أنجبتها وهي ابنة اثنتي عشرة سنة، وأنها الآن قد بلغت السادسة عشرة (بالحساب الهجري) ومن ثم عرضت عليه أن يتزوج الفتاة ويقيم مع الأسرة، في شقة من شقق العمارة الضخمة، وبذلك يصبح شريكا في كل شيء!
واستشارني يونس فسألته سؤالا كان الحري بي ألا أسأله؛ إذ سألته إذا كان يحبها، وأدركت عندما أجابني مدى خطأ السؤال، إذ تحدث عن موقفه وهو يعمل منذ طفولته في الدكان، ويتفانى في خدمة والده ظانا أنه سيكون وريثه، وكان منطلقا في روايته عندما تداركت الخطأ وقلت له «يبقى على بركة الله .. المهم أنها بتحبك ..» وتزوجا، وبدا كل شيء على ما يرام عدة شهور، ثم بلغنا من التوءم أن الوالد توفي فجأة، ولم يكن يشكو أي مرض، وكان التوءم يهمس بشكوكه في النساء، ولكننا استبعدنا ذلك الاحتمال.
وجاءني التوءم ذات يوم في نحو السادسة صباحا وهو في حالة اضطراب يطلب مني الخروج معه، وارتديت ملابسي وخرجت بسرعة، وذهب بي إلى دكان اللبان حيث وجدنا يونس في حالة يرثى لها، كانت عيناه حمراوين، وكان يتكلم في شبه ذهول، قائلا إنه عندما عاد إلى شقته في مساء اليوم السابق، في نحو الواحدة صباحا، لم يستطع فتح الباب بالمفتاح لأن الزوجة كان قد غيرت الكالون، فطرق، ففتحت حماته (وأرملة أبيه) الشراعة وقالت له: «موش عايزين النهارده .. مع السلامة!» وضحك متصورا أنها كانت فكاهة، ورجاها أن تفتح الباب لأنه في حاجة شديدة إلى النوم، ولكنها أصرت على موقفها، وكانت تستخدم باستمرار عبارات مثل: «عايز إيه؟» «إنت مين؟» «امشي أحسن أنده لك العسكري!» ومن ثم اضطر إلى قضاء الليلة في الدكان جالسا على الكرسي، والحمد لله أن الليل كان قصيرا، والجو لا بأس به، ولم يجد من يستشيره سوى صديقه العاقل (يقصد شخصي الضعيف).
ولما وجدت نفسي في موقف يفرض علي التصرف العاقل، قررت أن أقوم بدور الوساطة، فوعدته أن أعود إليه بعد أن أغتسل وأرتدي ثيابا لائقة، وفعلا عدت بعد نحو ساعة، فطلبت منه الانتظار حتى أكلم السيدة، وصعدت مع التوءم إلى الشقة، وعندما طرقنا الباب فتحت لنا السيدة «الكبيرة» الشراعة، وكان الواضح أنها قد استيقظت من مدة طويلة، وسألتنا عن الغرض من الزيارة فقلت لها: «هل هذه شقة يونس اللبان؟» فقالت بسرعة ورنة انزعاج: «أيوه يا خويا .. هو فين؟ جرى له حاجة؟ أصله ما جاش ليلة امبارح!» ولم أعرف ماذا أقول. وبعد ثوان أحسست أنها كانت دهرا قلت لها: «لأ .. هو بخير .. بس كنا عايزينه في حاجة!» وردت بنفس اللهفة: «حاجة إيه كفى الله الشر؟ عمل حاجة؟ إنتوا بوليس؟» وحاولت بكل طاقتي أن أعيد الاطمئنان إليها، ولم أشأ أن أقص عليها ما رواه لي يونس؛ عسى أن يكون في الأمر سوء تفاهم، وقلت لها إن الأمر يتعلق بدراسته في الكلية، وإنني أعمل مدرسا في الجامعة وأطلعتها على الكارنيه، فاطمأنت، وانصرفنا.
وعندما هبطنا إلى يونس وجدناه قد أعد مجموعة من السكاكين والهراوات، وقال لنا إنه سوف يرتكب جريمة قتل، وكان في حالة هياج لم نفلح في إخراجه منها إلا بإغلاق الدكان والخروج معه إلى الطريق العام، وسرنا في اتجاه شارع النيل، وكان هدفي الأول هو أن أتبين حقيقة ما حدث، فجلس ثلاثتنا على مقهى صغير في حارة متصلة بشارع «محمد عوف» (وما يزال المقهى قائما حتى الآن) وطلبنا منه إعادة رواية ما حدث، فأعاد القصة بحذافيرها، وقلت له، «ألا يحتمل أن يكون أخطأ في الشقة؟» وسأله التوءم: «ألا يمكن أن تكون قد فقدت المفتاح؟» ونظر إلينا مثل الغائب عن الوعي وقال: «إنتوا صدقتوها؟» وترقرقت في عينيه دموع آلمتني ألما شديدا، فنهضت واصطحبته إلى خارج الدكان، فسار معي مطيعا حتى شارع نوال، وظللنا نسير حتى ميدان الدقي، ولم نكن نتبادل الحديث بل كنا نسير في صمت، وكان الصباح جميلا والنسائم منعشة، وعندما وصلنا إلى الجامعة حرصت على أن أشغله بأشياء كثيرة حتى الظهيرة ثم اصطحبته في طريق العودة بالأتوبيس.
وعندما دخلنا المحل قال لنا التوءم إن السيدة سألت على يونس، ولم أعرف من أصدق ومن أكذب، فطلبت منه أن يعود إلى شقته فقال: تعال معي! ولم أجد في ذلك غضاضة فصحبته حيث أدار المفتاح في قفل الباب وفتحه ودخل (ترى هل قامت السيدة بتغيير الكالون فوضعت القديم مكان الجديد؟).
ولم تمض أيام حتى تكررت الحادثة، وقمت بالوساطة من جديد، وكنا قد بدأنا نقترب من موعد الامتحانات فلم أكن أشاهد يونس اللبان كثيرا، ويبدو أن الحادثة تكررت عدة مرات وكان الصفاء يعود في كل مرة، حتى جاءني يونس ذات يوم وقال لي إن زوجة أبيه عرضت عليه أن يطلق ابنتها في مقابل التنازل عن كل حقوقها، و«تأجير» الدكان له. ولم أفهم.
Unknown page