Tuhfat al-Asmāʿ waʾl-Abṣār
تحفة الأسماع والأبصار
هذا حماكم الله تعالى من الأسئلة الواردة التي قد أوردها فقلتم في رسائلكم المسجعة عند تعداد الأسئلة الواردة أجبتم عنها ما لفظه ونحو هذا من الأشياء الكثيرة، التي قد صار النقم بها من كثير من الأفراد، فقلت: لعل هذا مما ورد إلى هنالكم، والجواب عنه واضح لا ينخفي أما أولا: فإنا لا ننكر أن في الناس العاصين المتمردين، كما قال الله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } وأمثال هذه الآية كثير، وقد ألف في ذلك زيد بن علي (عليه السلام) كتابا، وهذا الخطاب الموجه في القرآن بإجماع أن أصحاب محمد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) مقصودون به ما لم يمنع مانع، واختلف به فيما جاء على طريقة الخطاب، هل يدخل فيه من سيوحد، أولا يدخل إلا بدليل جديد، فإذا كانت المعاصي تتفق[164/أ] في زمنه (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وقال الله له: {فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر} وأمثالها، ولم يقدح ذلك في حق المعصوم، بل طلب الله منه ومن أمته ترك التجسس، وقال (صلى الله عليه وعلى آله وسلم): ((من أتى شيئا ن هذه القاذورات فليستتر بستر الله )) فوصى من فعل بالتستر، ولم ير أن من الواجب أن يتطلب البيان على زلات الناس، حتى تتضح معاصيهم، وقد علمت أن هذه الكباير قد اتفقت في عهده (عليه السلام)، وخفيت عليه في وقتها، ولم تظهر إلا بعد حين طويل وأكثر ما ظهرت بإقرار الفاعلين، وقد أقام الحد للزنا صلوات الله عليه، وحد الإفك وسمل العتاة، وغير ذلك ولا سبيل لنا إلى أنه لم يعص الله من أصحاب النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) غير من ظهر بل قد جزم كثير أنه لم يعلم (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) كل المنافقين، وإنما علم من ظهر نفاقه، وقد نبه الله سبحانه على ذلك فإن كان مقصد السائل أن معاصي الله صارت تقع فلا يمنع هذا، والأسوة واقعة برسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وبأصحابه، وإن كان مقصده معاصي وقعت، وظهرت عند الجميع، ولم تخف على الإمام والمأموم، فهذه والله دعوى باطلة، لا تحل لأنا نعلم كذبها، وكثيرا ما يعلم الواحد معصية تحرج صدره بها، والإمام في صحة منها لأنها لم تبلغه، ولا انتهت إليه، فكل الفرض على هذا الحرج الصدر، مع إنا لو فرضنا وقوع معصية وظهرت للإمام والمأموم فالمعاصي تختلف نفسها وبأهلها، فربما كانت هذه المعصية غير معصية عند الإمام لمذهب له وربما كان فاعل المعصية من ذوي الهيئات، وللإمام تأخير الحدود، وإسقاطها فما ظنك بها دونها من التعزير، وإن كان مقصد هذا السائل أنه لم بعث بمعرفين إلى كل ناحية لكل واجب وكل محرم، فنقول أن النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) لم يبعث إلى الأقطار المفتيين، قائلا: لكل واحد من الناس على انفراده أن له كذا وعليه كذا، واستقصى جميع المشروع له وحده، فإن في ذلك من الحرج العظيم ما يوجب أن يكون من غير شرعه (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فإنه يبعث بالشريعة السمحة، وميسرا لا معسرا، وإنما كان يبعث مثل معاذ إلى هذا القطر الداخل تحت الدعوة الميمونة، يعرفهم بأهم الأشياء وهو الإسلام وما ترتب عليه من المهمات حسب إمكانه، وكان الفرض على الناس أن يتعلموا[164/ب] فإن الله يقول: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} وقال (صلى الله عليه وعلى آله وسلم): ((اطلبوا العلم ولو بالصين )) ثم انظر إلى حكمة الله بإرسال هذا الرسول الأمين إلى العرب والعجم يعرض نفسه في المواسم، ويظهر الحجج سنين، ثم شرع له الجهاد، ولم يزل يوصيه بنحو: {ما أنت عليهم بوكيل } {وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } ونحو {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } وهو واجد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وعلى مثل ذلك نبه الله عز وجل بقوله: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ، فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} وقوله عز وجل: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} وهذا واضح جلي والله يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} فعلى الإمام بذل الوسع، وعلى المسلمين أيضا بذل وسعهم على اختلافهم، فذو العلم بعلمه، وذو الرأي برأيه، وذو القلم بقلمه، وذو السيف بسيفه، ومن علم من نفسه صلاحا لأمر لا يعلمه الإمام فليعلم أنه مأمور بأمر الله، وإن لم يأمره الإمام إلا إن تحصل عنه الكفاية، وهذا قد يخفى على الحذاق كثير، وقد صرح به بعض الأئمة، ونصيحة أئمة الحق هي الدين، كما في الخبر الذي في الصحيح ((ألا وإن الدين النصيحة )) الخبر، وهذا هو جواب الإمام معقود في هذا الآتي:
سلوا هل زنا زان وصح ولم أقم .... له الحد أو حدا تركت لشارب
وأرسلت في أمر الصلاة وغيرها .... رسايل تقرأ في جميع الجوانب
ووليت ناسا قد أخذت عليهم .... يذيعون دين الله بين العصايب
وإن رسول الله أرسل واحدا .... إلى اليمن الميمون رحب المضارب
وقال له علم ولست مسيطرا .... عليهم وأنذرهم وبال العواقب
وليس على أهل الولاية متعب .... إذا ما عصى العاصون من خلف حاجب
فقد كان بعض الناس في عصر أحمد .... يعدون إظهارا كرام النقايب
وربتما يوما أتوا بمحرم .... أقروا به إقرار عين المكاذب
ولولاهم أبدوه كان بسترهم .... وما كان هذا للنبي بثالب
على أنه ليس الإمام مخصصا .... بتنكير منكور وتعريف واجب
ولكنه فرض عظيم معظم .... على كل سار في البلاد وسارب
[165/أ] قال في اللمع والتقرير والبيان للسخامي، واللفظ للمع حسب ما أملاه علينا مولانا أمير المؤمنين، أيده الله: وجملة الأمر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضربان، فضرب يلزم الكافة بحسب الإمكان، وضرب يلزم الأئمة، ومن يقوم مقامهم.
فأما ما يلزم الكافة فهو المنع من المناكر الظاهرة كالظلم وشرب الخمر والزنا والسعي في الأرض بالفساد، وما جرى مجرى ذلك والحمل على الواجبات، وما لزم الكافة من ذلك كان للإمام ألزم لأنه أحدهم، ولأنه منصوب لمصالح المسلمين.
Page 670