411

Tuhfat al-Asmāʿ waʾl-Abṣār

تحفة الأسماع والأبصار

وعنه (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) أنه قال: ((السلطان ظل الله في الأرض فمن غشه ظل ومن نصحه اهتدى )) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على تحريم الانتقاص بهم، فاحذر هديت من فرطان اللسان، واللمز في أئمة الدين الذين هم رؤوس أهل الإيمان، فإن ذلك فسوق وخذلان، لا يفعله إلا المنهمكون في الأطماع ونهب بيوت الأموال، والمتوصلون بأي صورة من الاحتيال، فإنك إذا تأملت هذه المناقشات لم تجدها تصدر إلا من الذين افتتنوا بمخالطة السلطان، والأمراء والأعوان، طمعا فيما عندهم حيث أنهم لم يخالطوهم للمؤازرة والمعاضدة لوجه الله تعالى، ولأعطوا حق النصيحة، ولا ما عندهم من الإمامة، ولا بذلوا جهدهم في الشفاعة، ومن لم يعط المخالطة حقها ويف بما يجب عليه فيها فهو مفتون في دينه، مسلوب في عقله، همه تحصيل المطامع وحشد الحافظ والدافع، ولم تجد[147/ب] إذا تأملت حق التأمل من أهل هذه الوظائف من المتاعب للأئمة إلا من وفق الله منهم، وهم قليل، وكان همه صلاح ذات البين، وإرشاد الضال، وأداء النصائح للولاة والعمال، على أحسن الأحوال، وتنبيه الأئمة على ما غفلوا وإعلامهم بما جهلوا والتحنن عليهم فيما كلفوا وشغلوا، وجعل هذه المقاصد الحسنة عنده أهم المقاصد إليه، وأقرب القرب فيما لديه، أولئك صفوة الله من خلقه المعاونين على الخير، ومن أحسن ممن رضى الأئمة عنه ورضى عنهم، ودعا لهم بالخير والصلاح، والإعانة على ما كلفوا به، وصحبهم على الوجه الجميل، المفضي إلى نيل الثواب الجزيل، أو نزه نفسه عن القيل والقال، وهذه الأحوال، واستغنى بما رزقه الله من الكفاف، ولبس ثياب الخمول والعفاف، فإن الله ييسر له الأسباب، ويهديه إلى شيء من طرق الاكتساب، يدفع بها عن نفسه مكايد الشيطان، ويقطع بها عن الأئمة أذى اللسان، ويشغل بها عن الافتتان، حتى يعلم إنما يعانيه الأئمة من مصارعة الأضداد، ومقاساة أهل البغي والفساد من أرشد الرشاد وأحسن المقاصد يوم يقوم الأشهاد.

نعم! ومما نقم به على الأئمة ما ترى من كثير من المخالفين في المذهب، وبعض أهله من الانتقاد في العقوبة بنهب الأموال وإخرابها والتأديب بالنفاعة ونحوها، يزعمون أن ذلك ظلم من الأئمة وأن العقوبة ليست إلا في البدن.

فنقول: هذه المسألة مما اختلف فيها العلماء، فورد في الحديث أنه (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) قال في حق المتخلف عن صلاة الجماعة: ((لقد هممت أن أمر بالصلاة فتقام، ثم أمر بحزم من حطب فأحرق على قوم يتخلفون عن الجماعة بيوتهم )) أو كما قال، وهذا المعنى في الكتب الستة، وإذا هم (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) بإحراق مال المتخلفين، فهو لا يهم إلا بالجايز، وقوله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم): ((من غل فأحرقوا متاعه )) وقوله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) في الزكاة: ((من أعطاها متأخرا له أجرها ، ومن لا فإنا آخذوها وشطرا من ماله، عزمه من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء)) وقد زعم بعضهم أن المراد من هذا الحديث وشطرا من ماله - بضم السين، وكسر الطاء مثقلة- بمعنى حصل شطرين وهو تأويل بعيد، خلاف ما نص عليه العلماء.

Page 609