وفي الكثير ممَّا سبق في هذا الفصل -أو أكثره- اختلافٌ، مشيتُ على ما صُحِّح مع الاختلاف بين المصحِّحين أيضا حسبما يُعلم من المبسوطات.
واشتركَ الأنامُ في العزاءِ به. فلم يُصابوا بمصيبةٍ أعظمَ مِنْ فَقدِه ﷺ، فإنَّه أشفقُ عليهم من أنفسِهم، وأرفقُ بهم في مخْوُفِهم ومُلْبِسِهم (^١)، وأحرص على هدايتهم. وأنَصُّ ببيانِ المقتضِى لسعادتِهم. ابتعثه الله سبحانه رحمةً لهم، وقدَّمه للشَّفاعة للمخطئ المُتلوِّث منهم، ففرَّجَ به عنهم الكُروب، وفرَّحَ بالانتسابِ إليه القلوب، وأتحفَ المتوسِّلَ به (^٢) بكلِّ مطلوب، وخفَّفَ بذلك عظيمَ الشَّدائد والخطوب، فله الفضلُ في الإسعادِ بالانتماءِ إليه، إذ لا حولَ ولا قوةَ إلا بالتَّوكُّلِ عليه.
- ولقد كانَ ﷺ كاملَ الأوصاف، شاملَ الأفضالِ والإنصاف، فَخَلْقُهُ سليم،
(^١) يقال: أمرٌ مُلْبِس ومُلْتَبِسٌ: مُشتبه. "القاموس": لبس.
(^٢) التوسُّلُ برسول الله ﷺ بطلب الدُّعاء منه في حياته مشروعٌ، بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الإجماعَ من الصَّحابة على جوازه، ودليلُه قولُ عمر ﵁: اللَّهمَّ إنَّا كنَّا إذا أجدبنا توسَّلنا إليك بنبيِّنا فتسقينا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقنا.
قال ابن تيمية: أي. بدعائه وشفاعته. "قاعدة جليلة" ص: ٨١.
أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا (١٠١٠).
وأمَّا بعد وفاته ﷺ؛ فإنْ كان المرادُ بالتوسُّل جعلَه ﷺ وسيلةً بيننا وبين الله ﷻ بمحبَّته، واتباعه، وطاعته، ونصرته، وسؤال الله أن يشفعه فينا فهذا من أعظم أنواع التَّوسُّل إلى الله، وأمَّا إن كان المراد بالتوسُّل بالنبي ﷺ: التوسُّل بألفاظ لم ترد؛ كالتوسُّل بجاهه، أو بأعمال مخالفة كالتوسل بالتمسُّح بقبره فهذا على خلاف اعتقاد خير القرون ﵃ ورحمهم أجمعين.