Thaqafatna Fi Muwajahat Casr
ثقافتنا في مواجهة العصر
Genres
تلك هي وقفة الحكيم الميتافيزيقية في حقيقة الإنسان بالنسبة إلى الكون، وإلى حريته بإزاء هذا الكون، وهو موقف يترتب عليه موقفه الأخلاقي، فما دام الإنسان حر الإرادة - ولو إلى حد محدود - فهو إذن مسئول عما يفعل، وما دمت قد ذكرت المسئولية الخلقية فقد أثرت مشكلة الخير والشر، «والخير والشر في رأيي لا شأن لهما بالإنسان الفرد، ولا وجود لهما إلا بالمجتمع»، وهو رأي نثبته هنا كما أراده صاحبه، ولكنه رأي يدعو إلى شيء من التأمل قبل قبوله، فهل يا ترى يجوز للمنعزل وحده في جزيرة أن ينتحر مثلا؟ فإذا قلنا إن ذلك لا يجوز ، لأن فيه افتئاتا على الحياة، التي ليس هو وحده صاحبها، فقد قلنا بذلك إن الانتحار شر، حتى ولو لم يكن المنتحر فردا في مجتمع، لكنني أترك أمثال هذه الوقفات الجانبية لأنصرف إلى رأي الحكيم، كما أراده في تعادليته؛ فالخير - عنده - لا يكون إلا فعلا إراديا يؤدي إلى نفع الغير، والشر هو الفعل الإرادي الذي يؤدي إلى ضرر الغير؛ أي إن أديبنا الحكيم - إذا نسبناه إلى إحدى مدارس الأخلاق - انتمى إلى مدرسة المنفعة، التي تقيس الفعل بنتائجه لا بشيء في طبيعة الفعل نفسه، ولست أريد أن أستطرد هنا مرة أخرى لأقول إن القائلين بهذا المذهب هم عادة الفلاسفة الذين يركنون في عملية الإدراك إلى الحس والعقل وحدهما، لا الفلاسفة الذين يعترفون بإدراك القلب؛ إذ لهؤلاء قول آخر يجعل الخير والشر صفتين في الأفعال نفسها، بغض النظر عن نفعها وضررها، وبغض النظر عن انعزال الإنسان أو اشتراكه مع غيره في مجتمع.
ومهما يكن من أمر، فالحكيم في تعادليته يرى أن الخير والشر كليهما ضروري ليعادل أحدهما الآخر، ويضرب أمثلة من مسرحياته كيف جمع الطرفين في كل شخصية من شخصياته، وينتقل المؤلف إلى فكرة العقاب، ليرى فيه رأيا طريفا، هو أن فعل الضرر بالناس لا ينبغي أن يقابله سجن يحرم صاحبه من حريته؛ إذ التعادل لا يكون بين الشر والحرية، وإنما يكون بين الشر والخير، ومؤدى ذلك هو أن أجعل الشرير الذي فعل فعلا ضارا يؤدي فعلا نافعا، ليتعادل نفعه للناس مع ضرره.
وفكرة الخير والشر تنتج عنها فكرة الضمير، وهنا يحاول الحكيم أن يحدد معنى «الضمير» بقوله «إنه شعور الذات بشر لحق الغير لم يقدم عنه حساب»، فالمذنب الذي يعاقب على ذنبه لا يؤنبه ضميره على شيء، كأنما الضمير لا يتحرك إلا إذا كان صاحبه مدينا إزاء المجتمع بضرر ألحقه به، ولم يدفع مقابله من النفع ما يتعادل معه، وهذا التعادل بين الضرر والنفع، أي بين الشر والخير، هو ما يسميه المجتمع بالعدل، وإذن «فالعدل هو المظهر الأخلاقي للتعادل، والضمير إذن هو الشعور بالعدل»، وكما يقال إن للفرد الواحد ضميرا، كذلك يقال إن للمجتمع بأسره ضميرا، يؤدي المهمة نفسها، أعني أنه يؤرق المجتمع إذا ما أحس أنه أوقع الضر بغيره، أو أحس بأن طائفة منه أضرت بطائفة أخرى من أبنائه، ومن هنا تقوم الثورات الاجتماعية لترد إلى المظلوم حقه.
ويعتقد الحكيم أن مسألة الضمير هذه مقصورة على الأفراد داخل الجماعة الواحدة، أما إذا انتقلت إلى السياسة وإلى الاقتصاد، فإنك ها هنا تجد التعادل قائما بين الأطراف المتضادة، قيامه في دنيا الحيوان والنبات؛ ففي السياسة لا بد أن تتعادل القوى، ومحال أن يقوم في العالم قوة واحدة بغير قوى أخرى تعادلها. ويضرب المؤلف لنا أمثلة من التاريخ، تدل على أنه حتى إذا قامت قوة واحدة، نراها من الفور قد انقسمت على نفسها شطرين يتعادلان؛ كما حدث للإمبراطورية الرومانية مثلا.
والأمر في السياسة الداخلية شأنه شأن الأمر في السياسة الخارجية؛ لأنه في السياسة الداخلية لا بد من تعادل بين الحاكم والمحكوم، ولما استطاع الشعب في العصور الحديثة أن يحكم نفسه بنفسه، نشأت الأحزاب التي يعادل بعضها بعضا، «فإذا تغلبت طائفة في النهاية وابتلعت كل ما عداها من الطوائف والطبقات، واتحدت في قوة واحدة، تشمل الدولة كلها، فإن هذه القوة أيضا لا تلبث أن تولد قوة أخرى خفية تعارضها وتجاهد في الظهور، وقد تخنق وتكبت وتهزم وتخفق، ولكنها لا بد يوما أن توجد؛ لأن قانون التعادل الذي نرى مظهره في الشهيق والزفير هو الذي يعمل هنا أيضا، ونرى مظهره في وجود حركة توازن حركة؛ لأن هذا هو شرط الحياة.»
ذلك هو شأن السياسة - خارجيها وداخليها على السواء - أما في الاقتصاد فإن قانون التعادل يفعل كذلك فعله بصورة واضحة، فلا بد أن يكون هناك توازن بين العرض والطلب، كالتوازن بين الشهيق والزفير، وكذلك الأمر في ضرورة التعادل بين الصادرات والواردات، وبين الإيرادات والمصروفات، وهكذا.
وإن فكرة التعادل هذه لتراها في الطبيعة نفسها على صورة الفعل ورد الفعل، فكل فعل له الفعل الذي يرد عليه ليحدث التعادل ، مهما يكن المجال الذي يحدث فيه ذلك الفعل، وإذن فالتعادل هو قانون الطبيعة وقانون الإنسان معا.
وهكذا ينقلنا إلى الميدان البيولوجي لنرى أن عملية الحياة نفسها وتطورها قائمة على التعادل؛ ففضلا عن التعويض الذي تلجأ إليه طبيعة الكائنات الحية لتوازن بجوانب القوة جوانب الضعف، ولتعوض النقص هنا بالزيادة هناك، فإذا كانت النحلة رقيقة الجناح، فهي حادة الإبرة، أقول إنه فضلا عن عملية التعويض هذه، فإن الطبيعة في تطورها تستخدم أداة الفعل ورد الفعل في سيرها قدما وإلى أعلى وأقوى، فإذا رأيت الشجرة تنتقل من خضرة يانعة في الربيع إلى صفرة ذابلة في الخريف، ثم إلى خضرة يانعة في الربيع التالي، وهلم جرا، فقد تظن أن سيرها يتم في خط مستقيم، أو أنها تسير في خط يدور على نفسه، فلا يتقدم خطوة إلى الأمام، وبذلك لا يكون ثمة «تطور»، لكن حقيقة الأمر هي أن هذه الدورة تلازمها دفعة إلى الأمام يظهر أثرها في الأجيال القادمة من الكائن الحي، وحتى أجرام السماء في سيرها تتحرك في هذين الاتجاهين معا: تدور حول نفسها وحول الشمس، لكنها في الوقت نفسه «تسير في الفضاء إلى الأمام في إطار المجموعة الشمسية بأكملها»، وقل شيئا كهذا في الإنسان وحضارته، فقد يتعاوره الظلام والنور في حركة كحركة الليل والنهار، ولكنه مع ذلك يسير إلى الأمام في خلال دورات من الفعل ورد الفعل، وإنك لتجد هذه الفكرة عن التطور في مسرحية شهرزاد.
ويطبق الحكيم فكرة التعادلية في ميدان علم الاجتماع، كما طبقها في ميادين الميتافيزيقا والأخلاق والسياسة والاقتصاد والبيولوجيا، فيجيء التطبيق هنا على صورة التضاد بين الفكر والعمل تضادا لا بد أن ينتهي إلى التعادل بينهما، لولا أني أوثر ألا أعرقل سير الفكرة التعادلية باعتراضات جزئية ترد على خاطري كلما مضيت في صفحات هذا الكتاب، لوقفت هنا وقفة أناقش فيها هذه القسمة إلى فكر بلا عمل، وعمل بلا فكر - هذا إذا أخذنا الفكر بمعناه الذي يأبى أن يدخل في أحلام اليقظة وشطحات الوهم - لكن الحكيم على كل حال يضاد بينهما، إلى الحد الذي قد ينتصر أحدهما على الآخر فيخضعه لسلطانه، وهنا تجد إما أن رجل الفكر خاضع لرجل العمل، وإما أن تجد رجل العمل خاضعا لصاحب الفكر، ولكن هذا التضاد قد يقف عند حد التعادل بين الضدين، فلا خضوع لجانب منهما للجانب الآخر، وعندئذ يتم التعادل وتصلح الحياة.
وإن التعارض بين العمل والفكر، لهو الذي تراه - فيما يقول أديبنا الحكيم - فيما نشأ من صراع على طول التاريخ بين الملوك من جهة، ورجال الدين من جهة أخرى، ولئن استطاع الفكر في صورته الروحية هذه أن يصمد لأصحاب السلطان، فقد عجزت صور الفكر الأخرى كالفلسفة والأدب والفن، عن هذا الصمود؛ ولذلك نرى أصحابها قد ذلوا لأصحاب السلطان، وهنا يقترح الحكيم اقتراحا جميلا، وهو أن سر ضعف رجال الفكر أمام أصحاب الحكم، هو تفككهم، ولو تكاتفوا وتآزروا لتكونت منهم قوة تعادل قوة الحكام، ولنلاحظ أن رجال الحكم في عصرنا هذا، برغم أنهم جاءوا إلى مراكز الحكم بانتخاب الشعب، فإن شعور الجفوة ما زال قائما بين رجل التنفيذ من جهة، ورجل الفكر من جهة أخرى؛ لما يخشى أن يوجهه رجل الفكر من نقد وتوجيه.
Unknown page