Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
" أنتما مني بمنزلة السمع والبصر ".
{ ومن قبله } [هود: 17] أي: قبل أبي بكر رضي الله عنه وشهادته بالنبوة كان، { كتاب موسى } [هود: 17] وهو التوراة، { إماما } [هود: 17] يأتم به قومه بعده، وفي أيام محمد صلى الله عليه وسلم كما ائتم به عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما من أحبار اليهود، ولأنه كان فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة { ورحمة } [هود: 17] أي: الكتاب كان رحمة لأهل الرحمة، وهم الذين يؤمنون بالكتاب وبما فيه كما قال: { أولئك يؤمنون به } [هود: 17] يعني: أهل الرحمة { ومن يكفر به } [هود: 17] أي: بالكتاب وبما فيه { من الأحزاب فالنار موعده } [هود: 17] أي: حزب أهل الكتاب وحزب الكفار وحزب المنافقين، وإن زعموا أنهم مسلمون؛ لأن الإسلام لا يكون بدعوى اللسان فحسب، وإنما يحتاج مع دعوى اللسان إلى صدق الجنان وعمل الأركان.
{ فلا تك في مرية منه } [هود: 17] أي: من أن يكون الكافر بك وبما جئت به من أهل النار؛ لأن الإيمان بك إيمان بي، وإن طاعتك طاعتي، فلا يخطرن ببالك أني من سعة رحمتي لعلي أرحم من كفر بك كائنا من كان، فإني لا أرحمهم لأنهم مظاهر قهري { إنه الحق من ربك } [هود: 17] أي: يكون له مظاهر صفات القهر كما يكون له مظاهر صفات اللطف { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } [هود: 17] بصفات لطفه لرجائهم المذموم ولغرورهم المشئوم بكرم الله، فإنه غرهم بالله وكرمه، الشيطان الغرور.
ثم أخبر عن جزاء أهل الافتراء بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [هود: 18] إلى قوله:
هم الأخسرون
[هود: 22]، { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [هود: 18] أي: ادعى مع الله رتبة في المكاشفات والمشاهدات والمنازلات والمحادثات والمكالمات، وغيرها من المقامات التي لم يشاهدها وما مست قدمه ساحتها، وإنما يدعي حصولها دعوته النفس وطلبا للرئاسة واستجلاب حظوظ النفس بطريق التزهد والشيخوخة، { أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد } [هود: 18] وهم أولياء الله الذين هم شهداؤه في أرضه يدل عليه قوله تعالى:
وتكونوا شهدآء على الناس
[الحج: 78].
{ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } [هود: 18] يشهدون عليهم بالكذب في الدنيا والآخرة ويلعنوهم، { ألا لعنة الله على الظالمين } [هود: 18] ينزلون بأنفسهم منزل السادة الكبرى، { الذين يصدون عن سبيل الله } [هود: 19] أي يصدون الطالبين عن طلب الحق بادعائهم الشيخوخة ويقطعون سبيل الله على طالبيه بالدعوة إلى أنفسهم، ويمنعونهم أن تمسكوا بذيل إرادة صاحب ولاية يهديهم إلى الحق ويسلكهم في الله تعالى.
{ ويبغونها عوجا } [هود: 19] عن الحق، { وهم بالآخرة هم كافرون } [هود: 19] على الحقيقة؛ لأن من يؤمن بالآخرة، ولقاء الله والحساب والجزاء على الأعمال لا يجري مع الله بمثل هذه المعاملات.
Unknown page