661

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[البقرة: 55] بظلمهم، فشتان بين صعقة موسى عليه السلام وبين صعقة قومه، فأن صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلي الربوبية، وإن صعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار العزة والعظمة، ولما كان موسى عليه السلام في مقام التوحيد ثابتا كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله تعالى، فرأى سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفات قهره فتنة واختبارا لهم، فلما دارت كؤوس شراب المكالمات وسكر بأقداح المناجاة زل قدمه على بساط الانبساط فقال: { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء } [الأعراف: 155]؛ أي: تزيغ قلب من تشاء بإصبع صفة القهر.

{ وتهدي من تشآء } [الأعراف: 155]؛ أي: تقيم قلب من تشاء بأصبع صفة اللطف؛ ليرى جمالك في مرآة القلب، { أنت ولينا } [الأعراف: 155] المتولي لأمورنا والناظر في هدايتنا، { فاغفر لنا } [الأعراف: 155] ما صدر منا، { وارحمنا } [الأعراف: 155] بنعمة الرؤية التي ساكناها، { وأنت خير الغافرين } [الأعراف: 155]؛ أي: خير من يستر على ذنب المذنبين؛ يعني أنهم يسترون الذنب ولا يعطون سؤالهم، وأنت الذي تستر الذنب وتبدل السيئات بالحسنات وتعطي سؤال أهل الزلات، { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } [الأعراف: 156] بعد حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولخواص أمته هذه الحسنة في الدنيا.

{ وفي الآخرة } [الأعراف: 156]؛ يعني: خصنا بهذه على الفضيلة في الدنيا والآخرة، { إنا هدنآ إليك } [الأعراف: 156]؛ أي: رجعنا إليك في طلب هذه الفضيلة في السر لا بالعلانية وأنت الذي تعلم السر وأخفى؛ فأجابهم الله تعالى سرا بسر وإضمارا بإضمار، { قال عذابي أصيب به من أشآء } [الأعراف: 156]؛ أي: بصفة قهري آخذ من أشاء، وبقراءة من قرأ أساء من الإساءة؛ أي: من أساء في الأدب عند سؤال الرؤية، قالوا:

لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة

[البقرة: 55]، آخذهم على سوء أدبهم، فأدبهم تأديب عذاب الفرقة، { ورحمتي وسعت كل شيء } [الأعراف: 156] نعمة وإيجادا وتربية، { فسأكتبها } [الأعراف: 156] مني حسنة الرؤية والرحمة التي أنتم تسألونها، { للذين يتقون ويؤتون الزكاة } [الأعراف: 156]؛ يعني: يتقون الله عن غيره، ويؤتون عن نصاب هذا المقام الزكاة طلابه، { والذين هم بآياتنا يؤمنون } [الأعراف: 156] الذين هم يؤمنون؛ يعني: الذين هم يؤمنون بأنوار شواهد الآيات لا بالتقليد بل بالتحقيق وهم خواص هذه الأمة، كما عرف أحوالهم وصرح أعمالهم بقوله تعالى:

الذين يتبعون الرسول النبي الأمي

[الأعراف: 157].

[7.157-159]

ثم أخبر عن أمة هذا النبي من المؤمن والولي بقوله تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعدا لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة وهي: مقام الرسالة والنبوة: التي هي شركة بينه وبين الأنبياء والرسل، والمقام الأمي: الذي هو مخصوص به صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء - عليهم السلام -؛ ومعنى الأمي: أنه كان أم الموجودات وأصلها سمي أميا، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنها كانت مبدأ القرى وأصلها، وكما سمى أم الكتاب أما؛ لأنها مبدأ الكتب وأصلها، فأما إتباعه في مقام الرسالة فإنه يأخذ منه ما آتاه الرسول وينتهي عما نهاه، كما قال تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

Unknown page