1048

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

آتيناه رحمة من عندنا

[الكهف: 65]، وبقوله: { وزكاة } [مريم: 13] أي: تزكية وتطهيرا منا عن الالتفات بغيرنا { وكان تقيا } [مريم: 13] أي: يتقي بنا عما سوانا { وبرا بوالديه } [مريم: 14] أي: بوالد الروح وبوالدة القالب:

* فأما بره بوالد الروح: تنويره بنور الفيض الإلهي إذ هو محل قبول الفيض كما قررنا؛ لأن الفيض الإلهي وإن كان نصيب الروح أولا ولكن لا يمسكه للطافة الروح، بل يعبر عنه بالفيض ويقبله القلب ويمسكه؛ لأن فيه صفاء وكثافة؛ فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، كما أن الشمس فيضها يقلبه الهوى لصفائها، ولكن لا يمسكه للطافة الهواء، فأما المرآة فتقبل الشيء بصفائها ويمكن لكثافتها، وهذا من أسرار حمل الأمانة التي حملها الإنسان، ولم يحملها الملائكة المقربون، فافهم جيدا.

* وأما بره بوالدة القالب: فباستعمالها على وفق أوامر الشرع ونواهيه؛ لينجيها من عذاب النار ويدخلها الجنة { ولم يكن جبارا عصيا } [مريم: 14] كالنفس الأمارة بالسوء { وسلام عليه يوم ولد } [مريم: 15] يشير إلى أن القلب السليم المقبل المقبول في حراسة سلام الله وحفظه في كل حال من حالاته حالة ولادته؛ أي: ابتداء خلقه { ويوم يموت } [مريم: 15] أي: حين يموت باستعمال المعاصي { ويوم يبعث حيا } [مريم: 15] أي: حين يتوب إلى الله فيحييه الله حياة طيبة.

فأما فائدة سلام الله حين يموت بالمعاصي في حق القلب، فبأن يكون في موته وإحيائه نوع ابتلاء يكون سبب تربية وترقية عن مقامه، وتنقية عن بعض الآفات والعيوب مثل: العجب والكبر والرياء والسمعة وغيرها.

[19.16-21]

ثم أخبر عن مريم وحالتها مع من في الأرض دل حاله بقوله: { واذكر في الكتاب } [مريم: 16] الخطاب مع قلم القدس؛ أي: الكتب في أم الكتاب الذي عنده مكتوب في الأول حالة { مريم إذ انتبذت من أهلها } [مريم: 16] أي: انفردت من أهل الدنيا وتنحت { مكانا شرقيا } [مريم: 16] وهو القلب المشرق بنور ربه { فاتخذت من دونهم حجابا } [مريم: 17] من ذلك النور { فأرسلنآ إليهآ روحنا } [مريم: 17] وهو نور كلمة الله التي يعبر عنها بقوله: كن، وإنما سمي نور كلمته روحا؛ لأنه به يحيي القلوب الميتة كما قال تعالى:

أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس

[الأنعام: 122] فتارة: يعبر الروح بالنور، وتارة: يعبر عن النور بالروح كقوله:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا

Unknown page