125

الثامن: أن النظرة الأولى سهم مسموم من سهام إبليس، ومعلوم أن الثانية أشد سما؛ فكيف يتداوى من السم بالسم؟

التاسع: أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق_عز وجل_في ترك محبوب_كما زعم_وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه؛ فإن لم يكن مرضيا تركه؛ فإذا يكون تركه لأنه لا يلائم(359) غرضه، لا لله_تعالى_فأين معاملة الله_سبحانه_بترك المحبوب لأجله؟ .

العاشر: يتبين بضرب مثل مطابق للحال، وهو أنك إذا ركبت فرسا جديدا فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ، ولا يمكنها أن تستدير فيه للخروج، فإذا همت بالدخول فيه فاكبحها؛ لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصح بها وردها إلى وراء عاجلا قبل أن يتمكن دخولها، فإذا رددتها إلى ورائها سهل الأمر، وإذا توانيت حتى ولجت، وسقتها داخلا ثم قمت تجذبها بذنبها عسر عليك أو تعذر خروجها؛ فهل يقول عاقل إن طريق تخليصها سوقها إلى داخل؟

فكذلك النظرة إذا أثرت في القلب، فإن عجل الحازم، وحسم المادة من أولها سهل علاجه، وإن كرر النظر، ونقب عن محاسن الصور، ونقلها إلى قلب فارغ، فنقشها فيه_تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزال شجرة الحب تنمي حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن ، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويلقي القلب في التلف.

والسبب في هذا أن الناظر التذت عينه بأول نظرة، فطلبت المعاودة، كأكل الطعام الذي إذا تناول منه لقمة، ولو أنه غض أولا لاستراح قلبه وسلم.

وتأمل قول النبي": =النظرة سهم مسموم من سهام إبليس+(360).

فإن السهم شأنه أن يسري في القلب، فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم، فإن بادر واستفرغه، وإلا قتله ولابد+(361).

Page 125