Tarikh Misr Hadith

Jurji Zaydan d. 1331 AH
219

Tarikh Misr Hadith

تاريخ مصر الحديث: من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم

Genres

فعادوا وأخبروا بما كان، فجمع إليه رجاله، وسار لملاقاة الجيوش العثمانية فالتقى بها في مرج دابق قرب حلب فانتشبت الحرب هناك، وأظهر الغوري بسالة وإقداما عظيمين حتى أوشكت رجاله أن تستظهر فمنعتها مدافع العثمانيين من ذلك، ولم يكن سلاح المصريين إلا الرماح والحراب والسيوف؛ فتشوش نظامهم، ووقع الرعب في قلوبهم، وانحاز قائد جناحيهم إلى العثمانيين، وكان الغوري قائدا لقلب الجيش فاضطر إلى الفرار، فحول شكيمة جواده فسقط عنه لشدة الازدحام، وذهب قتيلا تحت أرجل الخيل في 25 رجب سنة 922ه بعد أن حكم 15 سنة وتسعة أشهر و25 يوما. (20) سلطنة الملك الأشرف طومان باي (من سنة 922-923ه/1516-1517م)

وكان السلطان قنسو الغوري قبل خروجه من القاهرة هذه المرة قد استخلف عليها ابن أخيه طومان باي (الثاني) فلما اتصل خبر تلك الموقعة بالأمراء بايعوا طومان باي، ولقبوه بالملك الأشرف، وكان حازما باسلا. فلما وصلت بقية الجيوش المنهزمة إلى القاهرة أمر بإعداد حملة أخرى لمحاربة العثمانيين، وكان العثمانيون في سوريا قد توقفوا للاستراحة، فظن طومان باي أن الرمال المتراكمة بين سوريا ومصر تحول بين العثمانيين وما يريدون. إلا أن الأمر لم يكن كما ظن؛ لأنه لم يكد يتم إعداده حتى أتاه كتاب السلطان سليم إلى القاهرة، ونصه:

من السلطان سليم خان بن السلطان بيازيد خان، سلطان البرين وخاقان البحرين السلطان ... إلخ. إلى طومان باي الشركسي: الحمد لله، أما بعد، فقد تمت إرادتنا الشاهانية، وباد إسماعيل شاه الهرطوقي. أما قنسو الكافر الذي حملته القحة على مناوأة الحجاج فقد نال جزاءه منا، ولم يبق لدينا إلا أن نتخلص منك، فإنك جار معاد، والله - سبحانه وتعالى - يساعدنا على معاقبتك، فإذا أردت اكتساب رحمتنا الملوكانية اخطب لنا، واضرب النقود باسمنا، وتعال إلى أعتابنا، واقسم على طاعتنا، والإخلاص لنا وإلا ...

شكل 12-3

فلما قرأ طومان باي الكتاب، وما في ذيله من التهديد المستتر استشاط غيظا، وأصر على المقاتلة، وكان عالما بعجزه، لكنه فضل الموت في ساحة الحرب على التسليم. فزاد في حصون دمياط وغيرها من الحدود السورية، وجمع كل ما أمكنه جمعه من الرجال، وسار حتى أتى الصالحية فعسكر هناك. أما السلطان سليم فسار من مرج دابق، وافتتح غزة والعريش والقطيعة، ثم علم بمقر الجيوش المصرية في الصالحية، وما هم فيه من العزم على المدافعة؛ لشدة اليأس فعرج بجيشه تاركا الصالحية عن يمينه، وسار حتى أتى الخانكاه على بضع ساعات من القاهرة.

فلما بلغ طومان باي تقدم العثمانيين إلى هذا القدر عاد بجيشه لمهاجمتهم من الوراء، فالتقى الجيشان في سهل قرب بركة الحج يوم الجمعة في 29 ذي الحجة سنة 922ه واقتتلا طويلا، والمصريون يحاربون ببسالة شديدة، لكنهم لم يكونوا يعرفون البارود، ولا المدافع - كما قدمنا - فكانت الغلبة للعثمانيين، ففر المصريون إلى القاهرة، وعسكر العثمانيون في الروضة.

فجمع إليه طومان باي عددا كبيرا من العربان بعد أن أرضاهم بالمال، وهجم على معسكر السلطان سليم هجمة اليأس، فلم ينل هذه المرة غير ما نال في المرات الماضية، فعاد إلى القاهرة على نية الحصار، فزاد في حصونها واستحكاماتها، وحصن القلعة تحصنيا عظيما، وأقام في كل شارع وفي كل بيت طابية للدفاع، وحمل السلاح كل من يستطيع حمله للمدافعة عن الوطن، ولكن رغم كل هذه الإعدادات، وما عما أظهره طومان باي من البسالة والإقدام، وما سعى إليه أمراؤه لم تنج القاهرة من يد العثمانيين فإنهم دخلوها عنوة، وأمعنوا فيها قتلا ونهبا وحرقا، واستلموا القلعة.

أما طومان باي فتمكن من الفرار على معدية قطع بها إلى الجيزة، ثم سار منها قاصدا الإسكندرية، فقبض عليه بعض العربان الرحل، وباعوه للعثمانيين. فاستحضره السلطان سليم مغلولا، ونظر إليه فإذا هو في حالة الكدر، وقد علا وجهه القنوط لما حل ببلاده من الذل والدمار، فتحركت عواطف السلطان سليم؛ فأمر بأن تحل قيوده، وأن يؤذن له بالحضور في مؤتمرات كان يعقدها السلطان سليم؛ لأجل المداولة في أمر البلاد، فكان يسأله مسائل كثيرة تتعلق بمحصولات البلاد، وخراجها، وإدارتها، وبقي الحال كذلك نحو عشرة أيام ، وفي اليوم العاشر رأى السلطان سليم أنه لم يعد في احتياج إلى مشورة طومان باي فأمر بشنقه في 19 ربيع أول سنة 923ه، فعلقوه تحت رواق باب زويلة بكلاب من حديد كان باقيا هناك إلى عهد قريب.

وبقتل طومان باي انتهت دولة المماليك الشراكسة أو البرجية بعد أن تسلطوا نحو 139 سنة، وأصبحت مصر إحدى الإيالات العثمانية الكبيرة، وبقيت جثة طومان باي ثمانية أيام معلقة؛ ليراها الناس.

الجزء الثاني

Unknown page