ومنها ان السلطان الملك الظاهر بلغه وهو بدمشق ، سنة اثنتين وسبعين ، وصول ابغا إلى الموصل قاصدا الشام ، فاستعد للقائه ، وجلس مجلسا جمع فيه وجوه أهل دمشق والقضاة ، وأخبرهم بما اتصل به من آمر التتر ، وأنه لا بد له من محاربتهم لوطلب منهم المساعدة ، فاتفقوا على أن فرض على أهل دمشق وضواحيها تجهيز عسكر عين لهم عدده ، ثم حضر السلطان الملك الظاهر دار العدل فلما بلغ الشيخ محيي الدين حيى بن محمد بن مرى النواوي المحدث جلوسه قصده ، ودخل دار العدل فقام له من فيها فسال السلطان عنه ، فأخبر بمنزلته فالتفت إليه السلطان وقال له : ما حاجتك؟" ، فقال : " جئتك ناصحا لما بلغني أنك طلبت من الناس المساعدة وفرضتعليهم ما لا يجوز لك أن تفرضه عليهم وأنت تشتري المملوك بعشرين آلف درهم وتمنطقه الحياصة المجوهرة ، وتركبه المسرج المذهب ، وإن أفتاك أحد من القضاة بما فرضته فقد افترى على الله ورسوله" . فقال له السلطان : " ألك دار أو بستان فنأمر مسامحتك وإعفائك؟" . فقال : "ما جئت في شأن نفسي ، وإنما جئت في الله ورسوله وحق المسلمين ؟" ، ثم قام وخرج ، فأنفت نفس السلطان من أن ينتظم في سلك من إذا قيل له : "اتق الله ! " أخذته العزة بالإثم ، فأغضى من كلامه على مثل الجمر ، واستقل في جنب الله والنهي والأمر ، وكان ذلك سببا في تنفيض ما فرض عليهم إحسانا منه إليهم ، ولولا الضرورة لترك ما بقي ، وظل بنفسه لرعيته بقي .
Page 286