Tārīkh al-Islām wa-wafayāt al-mashāhīr waʾl-aʿlām
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
Publisher
المكتبة التوفيقية
Regions
•Syria
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
أَسَأْتِ فَتُوبِي وَرَاجِعِي أَمْرَ اللَّهِ وَاسْتَغْفِرِي". فَوَعَظَنِي، وَبِالْبَابِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ سَلَّمَتْ، فَهِيَ جَالِسَةٌ بِبَابِ الْبَيْتِ فِي الْحُجْرَةِ، وَأَنَا أَقُولُ: ألا تستحيي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا، وَالْمَرْأَةُ تَسْمَعُ، حَتَّى إِذَا قَضَى كَلَامَهُ قُلْتُ لِأَبِي وَغَمَزْتُهُ: أَلَا تُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: وَمَا أَقُولُ لَهُ؟ وَالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ: أَلَا تُكَلِّمِينَهُ؟ فَقَالَتْ: وَمَاذَا أَقُولُ لَهُ؟ فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ أَنْ قَدْ فَعَلْتُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ أَنِّي لَبَرِيئَةٌ مَا فَعَلْتُ لَتَقُولَنَّ قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا وَاعْتَرَفَتْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَمْ أَفْعَلْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَصَادِقَةٌ مَا أَنْتُمْ بِمُصَدِّقيِّ، لَقَدْ دَخَلَ هَذَا فِي أَنْفُسِكُمْ وَاسْتَفَاضَ فِيكُمْ، وَمَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ؛ وَمَا أَعْرِفُ يَوْمَئِذٍ اسْمَهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] .
وَنَزَلَ الْوَحِيُ سَاعَةَ قَضَيْتُ كَلَامِي، فَعَرَفْتُ وَاللَّهِ الْبِشْرَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أن يتكلم. فمسح جبهته وجبينه ثُمَّ قَالَ: "أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَكِ". وَتَلَا الْقُرْآنَ.
فَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فقلت: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلا أَحْمَدُهُ وَلَا إِيَّاكُمَا وَلَكِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي بَرَّأَنِي١، لَقَدْ سَمِعْتُمْ فَمَا أَنْكَرْتُمْ وَلَا جَادَلْتُمْ وَلَا خَاصَمْتُمْ.
فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ، حِينَ بَلَغَهُ نُزُولَ الْعُذْرِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ قَطُّ كَنَفَ أُنْثَى. وَكَانَ مِسْطَحٌ يَتِيمًا فِي حُجْرِ أَبِي بَكْرٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَحَلَفَ لَا يَنْفَعُ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ يَا رَبِّ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَبَكَى ﵁.
وَهَذَا حَدِيثٌ عَالٍ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا؛ فَقَالَ: وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عروة. فذكره٢.
١ قال الإمام الجوزي ﵀: "إنما قالت ذلك إدلالا كما يدل الحبيب على حبيبه، وقيل: أشارت إلى إفراد الله تعالى بقولها". ا. هـ. انظر: "فتح الباري" "٨/ ٣٣٥".
٢ أخرجه البخاري في "التفسير" "٤٧٥٠"، ومسلم في كتاب "التوبة" "٢٧٧٠"، وليس فيهما قوله: "ألا تستحيي أن تذكر هذا، والمرأة تسمع! ".
2 / 151