Tarikh al-Arab wa Hadaratihim fi al-Andalus
تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس
Publisher
دار الكتاب الجديد المتحدة - بيروت
Edition Number
الأولى
Publication Year
٢٠٠٠ م
Publisher Location
لبنان
Genres
في كورة تدمير، التي أسماها المسلمون بهذا الاسم نسبة إلى أميرها الدوق تُدْمير Theodemir. والتقى عبد العزيز بحاكم هذه المقاطعة قرب أوريولة Orihuela. وكان هذا الأخير رجلًا حازمًا وذا خبرة عظيمة في تقدير الأمور، فقاوم لفترة قصيرة هجوم عبد العزيز، لكنه توصل أخيرًا إلى عقد معاهدة صلح معه في رجب عام ٩٤ هـ/ نيسان ٧١٣ م (٧٢). وبموجب هذه المعاهدة التي ذكر تفاصيلها المؤرخون العرب، حصل تدمير على شروط مناسبة جدًا للصلح، فقد اعترف به العرب حاكمًا على سبع مدن تقع ضمن منطقته، كما احتفظ بإدارته الداخلية لهذه المدن، شريطة أن يدفع جزية سنوية تقدر بدينار ذهبي واحد، مع كميات معلومة من القمح، والشعير، والخل، والعسل، والزيت، لكل فردٍ حرٍ مع أفراد رعيته، أما العبيد، فتؤخذ عنهم نصف هذه الكمية. وقد وافق تدمير أيضًا على ألاّ يقوم أحد من رعيته بتجاهل هذه المعاهدة أو الإخلال بشروطها، وألاّ يأووا للمسلمين آبقًا، ولا عدوًا، ولا يكتموا عنهم خبرًا يتعلق بأعدائهم. وبالمقابل فإنهم لن يقتلوا، ولن يُسبوا، أو يُجرّدوا من ممتلكاتهم، أو يُفرّق بينهم وبين أولادهم ونسائهم، وسوف يُسمح لهم بممارسة شعائر دينهم، ولن تُحرق كنائسهم (٧٣). وتعدُ هذه المعاهدة من المعاهدات الفريدة في تاريخ الفتوحات العربية الإسلامية لأنها وصلتنا كاملة، وهي تشير بصراحة إلى مدى التسامح الذي تميز به العرب إزاء الشعوب المحررة، واحترام حقها في الإدارة، وفي العيش بحرية ضمن المجتمع الإسلامي الذي أعقب الفتح.
وبعد إقرار الأمور في جنوب شرق شبه الجزيرة، عاد عبد العزيز، إما حسب رغبته، أو لأن والده استدعاه بسبب تمرد مدينة أشبيلية. ولقد أيدت هذا التمرد عناصر قوطية جاءت من مدينتي نبلة وباجة، فهاجموا الحامية العربية الإسلامية في المدينة، وقتلوا ثمانين رجلًا، وفر الباقون إلى معسكر موسى الذي كان محاصرًا لمدينة ماردة.
وبعد استسلام هذه المدينة، قاد عبد العزيز حملة إلى أشبيلية، وتمكن من إعادة فتحها بسهولة (٧٤). ثم سار بعد ذلك إلى نبلة وباجة لتقوية حاميتيهما. وقد عاد عبد العزيز إلى أشبيلية، ومن ثم إلى ماردة، حيث تولى القيادة العامة لكل المناطق المحررة في هذه
_________
(٧٢) أخبار مجموعة، ص ١٢ - ١٣؛ The Chronicle of ٧٥٤، p. ١٤٩ (no. ٣٨)
(٧٣) الضبي، بغية الملتمس، نشره فرانشيسكو كوديرا، مدريد، ١٨٨٤، ص ٢٥٩؛ العذري، نصوص عن الأندلس من كتاب ترصيع الأخبار وتنويع الآثار، تحقيق: عبد العزيز الأهواني، مدريد، ١٩٦٥، ص ٤ - ٥؛ الحميري، ص ٦٢ - ٦٣، ١٥١ - ١٥٢.
(٧٤) أخبار مجموعة، ص ١٨؛ ابن عذاري، ج ٢، ص ٥؛ المقري (برواية ابن حيان) ج ١، ص ٢٧١.
1 / 44