Tarikh Adab Lugha Carabiyya
تاريخ آداب اللغة العربية
Genres
ومع اختلاف هذه اللغات اختلافا ظاهرا حتى يكاد ألا يفهم أهل لغة لغة الآخرين لم يزالوا جميعا يفهمون العربية الصحيحة الصريحة إذا سمعوها أو قرءوها فهي اللغة الجامعة بينهم، والسبب في ذلك أنهم وإن لم يتحاوروا بها تماما فقد تربت آذانهم على سماعها من الصغر إلى الكبر، فإن أولاد المسلمين في الشرق - وهم سواد عظيم إن لم نقل: السواد الأعظم - أول ما يتعلمونه القرآن ويحفظونه أو بعضه، ثم يتعلمون علوم لسانهم ودينهم وأحاديث نبيهم ويحفظون متون ذلك، وكل هذا بصحيح اللغة مكتوب ومقروء، وغير المتعلمين منهم يسمعون القرآن في مآتمهم وأفراحهم وفي منازلهم وحوانيتهم قصد التبرك، ويحفظون من سوره وآياته ما تتم به صلواتهم وكثيرا من الأدعية والأوراد، ويصغون إلى مواعظ الوعظاء وخطب الخطباء، ويتأثرون بما يسمعون ويحضرون دروس العلماء ليتلقوا عنهم ما ينفعهم في دينهم، وهذا كله بالعربية الصحيحة أيضا، فضلا عن كونها لسان الكتابة العام فيما بينهم، بها يكتبون رسائلهم الأهلية ويقرءونها ويسمعونها.
وعربية الرسائل وإن لم تكن صحيحة من كل وجه فليست بالعامية المحضة.
ومن شواهد ما تقدم أننا نرى عامة مصر في سمرهم يصغون وكلهم آذان كأنما فوق رءوسهم الطير إلى راوي قصة عنترة وعربيتها في الجملة صحيحة ولا تخلو من أشعار رقيقة، ويتأثرون عند كل توقيع بما يناسبه؛ فيحزنون عند أسر القائد، ويفرحون بانتصاره كأنهم في ساحة الحرب، ويطربون من سماع أخبار ابنة مالك وما قيل فيها من النسيب وغير هذا.
فكون كتب العلوم والفنون والآداب بالعربية الصحيحة دون لغة العامة ليس حائلا دون تربيتهم وتقدمهم في المعارف، كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين من أهل أوروبا، ومال إلى أن الكتابة إذا كانت باللغة العامية في الشرق كانت أقرب إلى الوصول إلى الغاية من التعلم والتربية. وهذه الفكرة كثيرا ما تخطر بأذهان الفرنج المختلطين بالشرقيين فيتكلمون بعربيتهم العامة، ثم يتعلمون الهجاء العربي ويأخذون في المطالعة، فيحسون أن الكلام المقروء ذو تجويد وإعراب وهيئة لفظية تغاير ما اعتادته ألسنتهم من لهجة العامة فيستصعبون الأمر جدا، ويودون لو يكون المكتوب نفس ما اعتادوا نطقه أولا.
وفاتهم أن لغة التخاطب في كل أمة لا تطابق تماما لسان الكتابة فيها؛ خصوصا في القرى البعيدة عن دوائر التعليم كما هو مشاهد ومسموع، فليس هذا خاصا بالشرق. نعم، درجة التفاوت بين الكلام والمكتوب في مسالك أوروبا تقل عن درجته في ممالك الشرق بسبب أن دائرة التعلم والتعليم في الأولى أوسع منها في الثانية، فإنه كلما سادت المعارف في أمة تقومت ألسنة أفرادها وقربت من الصواب، وكلما تقلص ظلها اعوجت الألسنة وفسدت؛ ولهذا نرى لهجات المتعلمين أقرب إلى الصحة من لهجات الأميين.
فإذا كانت حكومات الشرق تسعى في نشر التعليم بين أرجائه القاصية والدانية كما في الممالك الغربية اعتدل المقول وبعد عن الفضول. (6) ألفاظ أجنبية دخيلة في لغة العامة
دخل في لغة العامة ألفاظ أجنبية كثيرة صقلتها الألسنة وقبلتها الآذان واستعملوها كأنها عربية.
منها: وابور
VAPEUR
وعربوه بالقطار، كأنهم أخذوه من: جاءت الإبل قطارا؛ أي بعضها وراء بعض على نسق، وسماه بعض: بالرتل، وهو حسن تناسق الشيء، وعربية اللفظ الإفرنجي بخار.
Unknown page