Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
فوعي أسفاذ جشنس رسالة كسرى شيرويه هذه وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى ألفى رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا فتحاورا ساعة ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى فدخل عليه وقال له عمرك الله إن أسفاذجشنس بالباب وذكر أن الملك شيرويه أرسله إليك في رسالة وهو يستأذن عليك فرأيك في الأمر فيه برأيك فتبسم كسرى وقال مازحا يا جلينوس أسفاذان كلامك مخالف كلام أهل العقل وذلك أنه إن كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه لملك فليس لنا مع ملكه إذن وإن كان لنا إذن وحجب فليس شيرويه بملك ولكن المثل في ذلك كما قيل يشاء الله الشيء فيكون ويأمر الملك بأمر فينفذ فأذن لأسفاذجشنس يبلغ الرسالة التي حملها فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى وأخذ بيد إسفاذجشنس وقال له قم فادخل إلى كسرى راشدا
فنهض أسفاذجشنس ودعا بعض من كان معه من خدمه ودفع إليه كساء كان لابسه وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقية فمسح بها وجهه ثم دخل على كسرى فلما عاين كسرى خر له ساجدا فأمره كسرى بالانبعاث فانبعث وكفر بين يديه وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط [ من ] ديباج خسرواني منسوج بذهب قد فرشت على بساط من إبريسم متكئا على ثلاث وسائد منسوخة بذهب وكان بيده سفرجلة صفراء شديدة الاستدارة فلما عاين أسفاذجشنس تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكأته فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوسادة التي كانت عليها بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة ومن النمط إلى البساط ولم تلبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض ووقعت بعيدا متلطخة بتراب فتناولها أسفاذجشنس فمسحها بكمه وذهب ليضعها بين يدي كسرى فأشار إليه أن ينحيها عنه وقال له أعزبها عني فوضعها أسفاذجشنس عند طرف البساط إلى الأرض ثم عاد فقام مقامه وكفر بيده فنكس كسرى ثم قال متمثلا الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في الإقبال به وإذا أقبل أعيت الحيلة في الإدبار به وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما ثم قال لأسفاذجشنس إنه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار لنا بما حملت من الرسالة وما أنتم عاملون به وعاقبته فإن السفرجلة التي تأويلها الخير سقطت من علو إلى سفل ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت إلى الأرض وقعت بعيدا متلطخة بتراب وذلك منها دليل في حال الطيرة أن مجد الملوك قد صار عند السوق وأنا قد سلبنا الملك وأنه لا يلبث في أيدي عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة فدونك فتكلم بما حملت من رسالة وزودت من الكلام
Page 487