424

وخرج دوس ذو ثعلبان حين أعجز القوم على وجهه ذلك حتى قدم على قيصر صاحب الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم فقال له قيصر بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة يقال له أرياط وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم وأخرب ثلث بلادهم واسب ثلث نسائهم وأبنائهم فخرج أرياط ومعه جنوده وفي جنوده أبرهة الأشرم فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى إلى عمرة فأقحمه فيه فكان آخر العهد به ووطئ أرياط اليمن بالحبشة فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها قد ضبطها وأذلها فقال قائل من أهل اليمن وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة فقال

لا كدوس ولا كأعلاق رحله يعني ما ساق إليهم من الحبشة فهي مثل باليمن إلى اليوم

وقال ذو جدن الحميري وهو يذكر حمير وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه وما هدم من حصون اليمن وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان حصونا لم يكن في الناس مثلها فقال ... هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكي أسفا في ذكر من ماتا ... أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتا ...

وقال ذو جدن الحميري في ذلك ... دعيني لا أبالك لن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي ... لدى عزف القيان إذ انتشينا ... وإذ تسقى من الخمر الرحيق ... وشرب الخمر ليس على عارا ... إذا لم يشكني فيها رفيقي ... فإن الموت لا ينهاه ناه ... ولو شرب الشفاء مع النشوق ... ولا مترهب في أسطوان ... يناطح جدره بيض الأنوق ... وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه ممسكا في رأس نيق ... بمنهمة وأسفله جروب ... وحر الموحل اللثق الزليق ... مصابيح السليط تلوح فيه ... إذا يمسي كتوماض البروق ... ونخلته التي غرست إليه ... يكاد البسر يهصر بالعذوق ... فأصبح بعد جدته رمادا ... وغير حسنه لهب الحريق ... وأسلم ذو نواس مستميتا ... وحذير قومه ضنك المضيق ...

Page 437