Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
قال فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل ابن أخي وهب قال سمعت وهبا قال لما أرسل الله عز وجل جبرئيل إلىمريم تمثل لها بشرا سويا فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم واشتملت على عيسى قال وكان معها ذو قرابة لها يال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان وكان لخدمته فضل عظيم فرغبا في ذلك فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتجميره وكناسته وطهوره وكل عمل يعمل فيه فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما وكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف فلما رأى الذي بها استعظمه وعظم عليه وفظع به ولم يدر على ماذا يضع أمرها فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ساعة قط وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها فلما اشتد عليه ذلك كلمها فكان أول كلامه إياها أن قال لها إنه قد وقع في نفسي من أمرك أمر قد حرصت على أن أميته وأكتمه في نفسي فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري قالت فقل فولا جميلا قال ما كنت لأقول إلا ذلك فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر قالت نعم قال فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر إنما كان من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر أو لم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجرة بعد ما خلق كل واحد منهما وحده أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء ولولا ذلك لم يقدر لى إنباته قال لها يوسف لا أقول ذلك ولكني أعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون قالت له مريم أو لم تعلم أن الله عز وجل خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى قال بلى فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله عز وجل وأنه لا يسعه أن يسألها عنه وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه وذلك لما رأى من رقة جسمها واصفرار لونها وكلف وجهها ونتوء بطنها وضعف قوتها ودأب نظرها ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوا ولدك فأفضت عند ذلك إلى أختها وأختها حينئذ حبلى وقد بشرت بيحيى فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا بعيسى فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكاف شيء فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس وألجأها إلى أري حمار يعني مزود الحمار في أصل نخلة وذلك في زمان الشتاء فاشتد على مريم المخاض فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها
فلما وضعت وهي محزونة قيل لها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا إلى إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ( 1 ) فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء
Page 350