Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه وإنه هوي أن يتزوج ابنة امرأة له فسأل يحيى عن ذلك فنهاه عن نكاحها وقال لست أرضاها لك فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها من الحلي وألبستها فوق ذلك كساء أسود فأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تعرض له فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ذلك سألته أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها فقالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال ما تسأليني قالت أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكرياء فأوتى برأسه في هذا الطست فقال ويحك سليني غير هذا قالت ما أريد أن أسألك إلا هذا قال فلما أبت عليه بعث إليه فأتي برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم فوق التراب يغلي فألقي عليه التراب أيضا فارتفع الدم فوقه فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي وبلغ صيحائين فنادى في الناس وأراد أن يبعث إليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا فأتاه بختنصر فكلمه وقال إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف فإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها فابعثني فبعثه فسار بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطقهم فلم ااشتد عليه المقام وجاع أصحابه أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت أين أمير الجند فأتي به إليها فقالت إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة قال نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني فقالت أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف قال لها نعم قالت إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له كف يدك اقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير فقتل عليه حتى سكن فقتل سبعين ألف رجل وامرأة فلما سكن الدم قالت له كف يدك فإن الله عز وجل إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضي قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس وأمر به أن تطرح فيه الجيف وقال من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وعليا وعزريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس الجالوت فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس فوشوا بهم إليه فقالوا إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون من ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم وأمر بخد فخد فألقوا فيه وهم ستة وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم فقالوا انطلقوا فلنأكل ولنشرب فذهبوا فأكلوا وشربوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا ولم ينكأه شيئا فوجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة فقال ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج إليه السابع وكان ملكا من الملائكة فلطمه لطمة فصار في الوحش فكان فيهم سبع سنين
قال أبو جعفر وهذا القول الذي روي عمن ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب من أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية وعند غيرهم من أهل الملل غلط وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا وبين عهد إرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم واسفارهم مبين وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قبل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب ثم من قبل ابنته خماني سبعين سنة ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة ثم من بعد مملكة الإسكندر لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمائة سنة وثلاث سنين فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة
Page 347