Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
ثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثا جمع أصحابه فقال إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا في آثارهم فتقطعوا وتبددوا ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم وأنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله فخرج بنا من المدائن فقدم بين يديه أبو الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس فأتبع آثارهم فخرج معقل في أثره فأخذ أبو الرواغ يسأل عنهم ويركب الوجه الذي أخذوا فيه حتى عبروا جرجرايا في آثارهم ثم سلك الوجه الذي أخذوا فيه فاتبعهم فلم يزل ذلك دأبه حتى لحقهم بالمذار مقيمين فلما دنا منهم استشار أصحابه في لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عليه فقال له بعضهم أقدم بنا عليهم فلنقاتلهم وقال بعضهم والله ما نرى أن تعجل إلى قتالهم حتى يأتينا أميرنا ونلقاهم بجماعتنا قال أبو مخنف فحدثني تليد بن زيد بن راشد الفائشي أن أباه كان معه يومئذ قال فقال لنا أبو الرواغ إن معقل بن قيس حين سرحني أمامه أمرني أن أتبع آثارهم فإذا لحقتهم لم أعجل إلى قتالهم حتى يأتيني قال فقال له جميع أصحابه فالرأي الآن بين تنح بنا فلنكن قريبا منهم حتى يقدم علينا صاحبنا فتنحينا وذلك عند المساء قال فبتنا ليلتنا كلها متحارسين حتى أصبحنا فارتفع الضحى وخرجوا علينا قال فخرجنا إليهم وعدتهم ثلثمائة ونحن ثلثمائة فلما اقتربوا شدوا علينا فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان قال فانهزمنا ساعة ثم إن أبا الرواغ صاح بنا وقال يا فرسان السوء قبحكم الله سائر اليوم الكرة الكرة قال فحمل وحملنا معه حتى إذا دنونا من القوم كربنا فانصرفنا وكروا علينا وكشفونا طويلا ونحن على خيل معلمة جياد ولم يصب منا أحد وقد كانت جراحات يسيرة فقال لنا أبو الرواغ ثكلتكم أمهاتكم انصرفوا بنا فلنكر قريبا منهم لا نزايلهم حتى يقدم علينا أميرنا فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش وقد انهزمنا من عدونا ولم نصبر لهم حتى يشتد القتال وتكر القتلى قال فقال رجل منا يجيبه إن الله لا يستحيي من الحق قد والله هزمونا قال أبو الرواغ لا أكثر الله فينا ضربك إنا ما لم ندع المعركة فلم نهزم وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريبا منهم فنحن على حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش ولم نرجع عن وجهنا إنه والله لو كان يقال انهزم أبو حمران حمير بن بجير الهمداني ما باليت إنما يقال انهزم أبو الرواغ فقفوا قريبا فإن أتوكم فعجزتم عن قتالهم فانحازوا فإن حملوا عليكم فعجزتم عن قتالهم فتأخروا وانحازوا إلى حامية فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريبا منهم فإن الجيش آتيكم الى ساعة قال فأخذت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا وهم كانوا حامية وإذا أخذوا في الكرة عليهم فتفرق جماعتهم قرب أبو الرواغ وأصحابه على خيلهم في آثارهم فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم وقد طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الأولى فلما حضرت صلان الظهر نزل المستورد للصلاة واعتزل أبو الرواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو ميلين ونزل أصحابه فصلوا الظهر وأقاموا رجلين ربيئة وأقاموا مكانهم حتى صلوا العصر ثم إن فتى جاءهم بكتاب معقل بن قيس إلى أبي الرواغ وكان أهل القرى وعابروا السبيل يمرون عليهم ويرونهم يقتتلون فمن مضى منهم على الطريق نحو الوجه الذي يأتي من قبله معقل استقبل معقلا فأخبره بالتقاء أصحابه والخوارج فيقول كيف رأيتموهم يصنعون فيقولون رأينا الحرورية تطرد أصحابك فيقول أما رأيتم أصحابي يعطفون عليهم ويقاتلونهم فيقولون بلى يعطفون عليهم وينهزمون فقال إن كان ظني بأبي الرواغ صادقا لا يقدم عليكم منهزما أبدا ثم وقف عليهم فدعا محرز ابن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي فقال له تخلف في ضعفة الناس ثم سر بهم على مهل حتى تقدم بهم علي ثم ناد في أهل القوة ليتعجل كل ذي قوة معي اعجلوا إلى إخوانكم فإنهم قد لاقوا عدوهم وإني لأرجو أن يهلكهم الله قبل أن تصلوا إليهم
Page 186