Tārīkh al-Ṭabarī
تاريخ الطبري
فلما انصرف علي خالفت الحرورية وخرجت وكان ذلك أول ما ظهرت فآذنوه بالحرب وردوا عليه إن حكم بني آدم في حكم الله عز وجل وقالوا لا حكم إلا لله سبحانه وقاتلوا فلما اجتمع الحكمان بأذرح وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس فأرسل الحكمان إلى عبدالله بن عمر بن الخطاب وعبدالله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير ووافى معاوية بأهل الشأم وأبى علي وأهل العراق أن يوافوا فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الراي من قريش أترون أحدا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان قالوا لا نرى أحدا يعلم ذلك قال فوالله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال يا أبا عبدالله أخبرني عما أسألك عنه كيف ترانا معشر المعتزلة فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال ورأينا أن نستأني ونتثبت حتى تجتمع الأمة قال أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار وأمام الفجار فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو فقال أبو موسى أراكم أثبت الناس رأيا فيكم بقية المسلمين فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش فقال لا يجتمع هذان على أمر واحد فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص يا أبا موسى رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم وعلى أهل الغدر بغدرهم قال أبو موسى وما ذاك قال ألست تعلم أن معاوية وأهل الشأم قد وفوا وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه قال بلى قال عمرو اكتبها فكتبها أبو موسى قال عمرو يا أبا موسى أأنت على أن نسمي رجلا يلي أمر هذه الأمة فسمه لي فإن أقدر على أن أتابعك فلك علي أن أتابعك وإلا فلي عليك أن تتابعني قال ابو موسى أسمي لك عبدالله بن عمر وكان ابن عمر فيمن اعتزل قال عمرو إني أسمي لك معاوية بن أبي سفيان فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ( 1 ) فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال عز وجل مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ( 2 ) وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار
قال ابن شهاب فقام معاوية عشية في الناس فأثنى على الله جل ثناؤه بما هو أهله ثم قال أما بعد فمن كان متكلما في الأمر فليطلع لنا قرنه قال ابن عمر فأطلقت حبوتي فأردت أن أقول قولا يتكلم فيه رجال قاتلوا أباك على الإسلام ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأي فكان ما وعد الله عز وجل في الجنان أحب إلي من ذلك فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلم قلت أردت ذلك ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين جميع أو يسفك فيها دم أو أحمل فيها على غير رأي فكان ما وعد الله عز وجل من الجنان أحب إلي من ذلك قال قال حبيب فقد عصمت
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف قال أبو مخنف حدثني فضيل بن خديج الكندي قال قيل لعلي بعد ما كتبت الصحيفة إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم قال علي وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا فإذ أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت فإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلا أن يعصى الله عز وجل ويتعدى كتابه فقاتلوا من ترك أمر الله عز وجل وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك ولست أخافه على ذلك يا ليت فيكم مثله اثنين يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي ما أرى إذا لخفت علي مئونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن ... وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد ...
Page 106