Tarajim Mashahir
تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الأول)
Genres
هو أحد رجال الإصلاح الذين يفتخر تاريخ الأمة القبطية بذكرهم؛ نظرا لما له من الأيدي البيضاء في إصلاح الكنيسة القبطية في هذا القرن، وقد آثرنا شرح ترجمة حاله إقرارا بفضله أسوة بأمثاله من أعاظم الرجال نقلا عن أصدق المصادر وفي جملتها ما سمعناه من أفواه جماعة ممن عاشروه ورأوا أعماله رأي العين.
ولد هذا الرجل سنة 1532 قبطية (1806م) في قرية الصوامعة الشرقية من مديرية جرجا في مصر العليا، وكان اسمه داود، وكان والده مزارعا معروفا بين قومه بالسذاجة وسلامة النية وكان أميا لا يعرف القراءة، ولكنه لم يغفل عن تربية ولديه، وهما: داود - المتقدم ذكره - ويوسف وهو أصغرهما، فعني في تعليمهما فتعلما القراءة والكتابة في اللغتين العربية والقبطية ومبادئ الحساب.
فلما أكمل داود تعلمه على قدر ما سمحت به مدارس تلك الأيام عكف على معاضدة والده في أعماله الزراعية، فكان يقضي يومه بين المزارع والغياض في الأعمال الخشنة، فنما جسمه وتشددت عضلاته. أما أخوه فاختار الكتابة والحسابة، فكان يقضي معظم يومه جالسا في الديوان عاملا فكرته، مجهدا عقله، فنما ضعيفا نحيفا خلافا لداود الذي لما بلغ أشده اختلط بالعربان المجاورين لقريته، وتعلم منهم ركوب الخيل حتى صار يراكبهم ويسابقهم ويرافقهم في أسفارهم في الجبال والبراري والصحاري، وألف كثيرا من طرق الصحراء حتى إنه لم يحتج إلى دليل يرشده إلى طرق الدير عندما أراد الترهب.
وقلما نعلم عن حالة صاحب الترجمة فبل انخراطه في سلك الرهبنة، وإنما علمنا أنه لم يكن يهمه شيء من أعمال هذه الدنيا، ولم يكترث بعمل من الأعمال العالمية، كأن العناية حفظته لخدمة لا يقوم بأعبائها إلا نفر قليلون من بني الإنسان، فلما بلغ الثانية والعشرين من عمره برح بيت أبيه، وفارق أصحابه وخلانه وقصد دير القديس أنطونيوس في الجبل الشرقي لمجرد الترهيب والانقطاع للعبادة وخدمة الله، فوصله بعد مسيرة ثلاثة أيام، وترهب على يد القس أثناسيوس القلوصني رئيس ذلك الدير، ولم يلبث هناك مدة حتى اشتهر بين رفقائه الرهبان بالذكاء والورع ودماثة الأخلاق والهمة والنشاط، فكان الرئيس إذا غادر الدير لغرض له في العزبة أو مكان آخر يعهد بتدبير الدير لداود دون سواه لما رأى فيه من الأهلية وحسن التدبير والغيرة على مصلحة الدير والمواظبة على مطالعة الكتب المفيدة حتى رآه يجمع إخوانه الرهبان في ساعات الفراغ، ويقرأ عليهم ويشرح لهم ويحثهم على المطالعة. وبعد دخوله الدير بسنتين توفي القس أثناسيوس المشار إليه، فأجمع الرهبان كافة على إسناد منصب رئاسة الدير إليه، فاستحضره الأنبا بطرس بطريرك الأقباط إذ ذاك وثبته في ذلك المنصب ودعا له وباركه، فانصرف القس داود إلى مقر وظيفته في بوش بمديرية بني سويف، وشرع في مباشرة المهام التي عهدت إليه بهمة ونشاط ودراية، وكان على كثرة تجواله لقضاء مهام الدير المتعددة في البلاد المختلفة لا يهمل شيئا من لوازم الدير في الجبل في أوقاتها حتى لا يتخذ الرهبان تأخرها ذريعة لمغادرة الدير والتجول في البلاد من جهة أخرى مما يخالف عهود الرهبنة؛ إذ كان في اعتقاده أن الراهب لا يجب أن يبرح ديره إلا إذا دعاه رئيسه إلى ذلك، فإذا خالف أحد الرهبان هذا الأمر كان يتظاهر القس داود بالإغضاء عنه ثم يعمل على إجباره بحسن السياسة على إيثار البقاء في الدير على الخروج منه، وما زال ذلك اعتقاده في الرهبنة إلى آخر أيامه، حتى إنه لما صار بطريركا أصدر منشورا يقضي بملازمة الرهبان الديور، وأن لا يخرجوا منها إلا بإذن منه، ولم يبق في العزبة في بوش إلا الرهبان الذين لا غنى عنهم في الأعمال الزراعية ومتعلقاتها، ومن أقواله من هذا القبيل: «إن من يختار ثوب الرهبنة فقد مات عن الدنيا، ودفن في الدير فلا يخرج الميت من قبره، والرئيس الذي يؤذن للراهب في الخروج من ديره فقد أخرج ميتا من قبره.»
ومما يذكر من آثاره في أثناء إقامته في بوش رئيسا للدير أنه خصص مكانا في العزبة جمع إليه ما كان هناك من الكتب وضم إليها بعضا آخر من كتب الدير، وكان يجمع الرهبان إليه في ساعات الفراغ ويستحثهم على المطالعة والمفاوضة في المواضيع الدينية، والأدبية، والتاريخية، وأنشأ مدرسة لتعليم شبان بوش الأقباط اللغة العربية بفروعها واللغة القبطية، واعتنى هو في تعلم النحو والصرف فاكتسب منهما ما يكفي لضبط القراءة والكتابة. وبالجملة فقد كان نورا تنبعث منه أشعة الفضيلة، والقدوة الحسنة في سائر مديرية بني سويف، وأجمع أهلها على اختلاف المذاهب على حبه واحترامه ومشاورته في مهامهم.
وحدث في أثناء ذلك خلاف بين الأنبا سلامة مطران الحبشة وإكليرسهم، وسببه أن المطران سلامة لما تولى أسقفية الحبشة رأى الشعب وإكليرسهم هناك على ما هو مخالف لروح الكتاب، واستغرب تساهل أسلافه المطارنة في هذا الأمر وسكوتهم عنه، فأراد ردعهم وإهداءهم إلى الطريق الحق، فغضبوا وأصروا على اعتقادهم بدعوى أنه اعتقاد أجدادهم ولا يريدون الجنوح إلى سواه، فلما يئس من ردعهم بالبراهين الدينية هددهم بالسلطة الكنائسية، فشكوه للبطريرك الأنبا بطرس - المتقدم ذكره - وكان مشهورا بالحلم والوداعة والتقوى، فكتب إلى المطران سلامة يحرضه على معاملة الرعية بالرفق واللين وتجنب كل ما يئول إلى الشقاق، فلما قرأ هذا الكتاب شق عليه ما نسب إليه فيه من القسوة والحدة ولو تلميحا، فكتب إلى البطريرك يبرئ نفسه من تلك التهم، وقد شرح المسألة شرحا وافيا وقال في آخر الكتاب: إن موضوع الخلاف ليس عالميا حتى يتساهل فيه، وطاعة الله أولى من طاعة الناس. فلما تناول البطريرك الكتاب سر لثبات المطران وإخلاصه، وكان يرجو أن تنفرج تلك الأزمة على يده، ثم علم بتفاقم الخطب لتداخل بعض رجال الحكومة هناك ومقاومتهم له، فخاف العاقبة فلم ير بدا من ملافاة الأمر بالحزم، فبعث القسيس داود وأسر إليه حقيقة الواقع، وأظهر له أسفه مما حصل، وأنه يخشى وقوع الانشقاق في الطائفة بسبب ذلك، وأنه لشيخوخته لا يستطيع الذهاب إلى الحبشة بنفسه لتسوية الخلاف؛ ولذلك فإنه لم ير من يليق لهذه المهمة أفضل منه، وعهد إليه بالمسير نائبا عنه لما يعهد فيه من الدراية والحكمة والعزيمة، فأذعن القسيس لأمره، ولكنه طلب إليه أن يصرح لكاهن آخر بمرافقته ليكون له عونا في ذلك، فأذن له فاصطحب راهبا اسمه القس برسوم الراهب (ثم صار الأنبا يوأنس أسقف المنوفية)، فسار القس داود أولا إلى بوش يتأهب للمسير، وفي اليوم المعين سارا بكتاب من البطريرك للمطران وآخر إلى القسوس وسائر الشعب الحبشي، ولما ودعاه، قال البطريرك للقس داود على مسمع من الناس: «إنك إذا أديت هذه المهمة على وجه مرض تنال فيه نصيبا صالحا عند عودتك مكافأة لك.» وقال آخرون: إنه وعده بمنصب مطران عند رجوعه، فسار على بركة الرحمن سنة 1567 قبطية 1851م وقد أحسن بمرافقة الأنبا يوأنس؛ لأنه جدير بثقته وأهل لمثل ذلك المسعى الخيري.
وفي يوم 28 برمهات سنة 1568 الموافق 1852م توفي البطريرك إلى رحمة الله في أثناء غياب القس داود بعد أن أقام في كرسي الكرازة المرقسية نيفا وأربعين عاما، وكان رجلا كاملا أسف الناس على فقده.
وبعد وفاته بقليل جاء العاصمة أساقفة الوجه البحري والوجه القبلي لكي يتحدوا مع الشعب في انتخاب من يقوم مقامه، وفي اجتماعهم الأول في دار البطريركية كان اسم القس داود في جملة المرشحين لذلك المنصب، فاعترض بعضهم على انتخابه؛ لأنهم لا يعلمون من أمر حياته شيئا بدعوى أنهم سمعوا بخروجه من بلاد الحبشة منذ مدة ولم يعودوا يعلمون ما كان من أمره، وألحوا في انتخاب سواه فارفضت هذه الجلسة ولم يتم الانتخاب، ومن غريب الاتفاق أنه قبل حلول ميقات الجلسة الثانية ورد من القس داود كتاب لبعض أصدقائه ينبئه بوصوله حدود مصر، وأنه سيكون في القاهرة بعد قليل فسر منتخبوه بذلك، فلما التأمت الجلسة صرحوا بكتابه وطلبوا انتخابه، فطلب بعضهم انتخاب الأنبا يوساب أسقف أخميم إذ ذاك وأوقفه جماعة من الحضور، فاعترض منتخبو القس داود على ذلك، وارفضت الجلسة بلا نتيجة، فأخذ حزب القس داود في كتابة تزكية باسمه وقع عليها كثير من أبناء الطائفة؛ لكي يكون شاهدا لرضاء الجمهور عن انتخابه، وكان في جملة أحزابه تادرس شلبي وتادرس عريان وبرسوم واصف وحنا عبيد ويوسف نصر الله وحنين حنس وأخوه أسطفانوس حنس ورفائيل الطوخي وحنا القسيس وبطرس نخلة وإبراهيم لطف الله ويوسف مفتاح وتادرس سيدهم، وجميعهم من أعيان الطائفة ووجهائها، وكان من أشد الناس اهتماما في ذلك حنا أفندي جريس وإبراهيم أفندي خليل.
وبقي النزاع مدة وصل في أثنائها القس داود إلى القاهرة فسرت أحزابه وتقاطروا للسلام عليه، وكانت مدة غيابه هذه المرة نحو ثمانية عشر شهرا.
فلما رأت أحزاب أسقف أخميم ميل الجمهور إلى انتخاب القس داود عولوا على تنفيذ مآربهم بالحيلة، بأن يجتمعوا ذات ليلة ويسيموا الأسقف بطريركا، فإذا أصبح الناس رأوا السهم قد نفذ، وادعى بعض الراغبين في ذلك أنه تحصل على أمر شفاهي من المغفور له عباس باشا الأول برسم الأسقف بطريركا، ولكنهم لم يستطيعوا كتم تواطئهم، فعلمت أحزاب القس بذلك فجاءوهم في الوقت الذي عينوه لذلك، وأخرجوهم من الكنيسة بالقوة وأقفلوا الأبواب وسلموا المفتاح لرجل حبشي اسمه سلطان كان في البطريركية مع جماعة من أبناء وطنه، وكان يدعي أنه من عائلة النجاشي ملك الحبشة، ثم اجتمعوا وعرضوا للحكومة يشكون سوء تصرف بعض الأساقفة في هذا الأمر، وألحوا في انتخاب القسيس لرضاء الشعب عنه بشهادة التزكية التي كتبوها عنه، فأحالت الحكومة تسوية الأمر على الأنبا كبريل ورتبيت الأرمن إذ ذاك، فأخفق سعيه لتمسك كل من الفريقين برأيه وغرضه، ومن الغريب أن تلك المقاومة لم يكن لها أساس حقيقي سوى حب السيادة ونفوذ الكلمة؛ غير أن حزب القس داود كانوا على بينة مما دعوا إليه لأنهم كانوا يعلمون صفات ذلك الرجل، وأنه لائق بذلك المنصب لما عرف به من شدة الميل إلى إصلاح الطائفة، وسعة اطلاعه وحسن درايته، وأما المتشيعون لغيره فكانوا يظنون أنه يكفي لرئيس الطائفة والقابض على أزمتها أن يكون حسن السيرة ورعا تقيا وقد يلتمس لهم في ذلك بعض العذر لأنهم لم يكونوا يعرفون للبطريرك عملا غير الصلاة، والفصل في بعض القضايا الجزئية كتأييد الصلح بين رجل وامرأته أو ما شاكل، أما مصلحة الأمة العمومية فلم يكونوا يفقهون لها معنى.
Unknown page