254

Tamhīd li-tārīkh al-falsafa al-islāmiyya

تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية

Genres

63

ويقول ابن السبكي أيضا: «ومن كلام ابن عساكر حافظ هذه الأمة الثقة الثبت: هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق للأشعري ومنتسب إليه، وراض بحميد سعيه في دين الله مثن بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه، وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، أو تضاهي قول المعتزلة في ذمه، وتباهي بإظهار جهلها بقدره وسعة علمه؟.»

64

وقد فصل المقريزي (المتوفى سنة 845ه/1441م) حال المذهب الأشعري منذ نشأته إلى عهده فقال: «وحقيقة مذهب الأشعري - رحمه الله - أنه سلك طريقا بين النفي الذي هو مذهب الاعتزال، وبين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم، وناظر على قوله هذا واحتج لمذهبه؛ فمال إليه جماعة وعولوا على رأيه، منهم القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي، وأبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، والشيخ إبراهيم بن محمد بن مهران الإسفراييني، والشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني والإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي، وغيرهم ممن يطول ذكره، ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه، واستدلوا له في مصنفات لا تكاد تحصر، فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام ...»

وبعد أن ذكر انتشار المذهب في مصر، على يد الملك ناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومن بعده من ملوك الأيوبيين، وانتشار هذا المذهب في بلاد المغرب على يد أبي عبد الله محمد بن تومرت. قال: «فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام بحيث نسي غيره من المذاهب وجهل، حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلا أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، رضي الله عنه ، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات إلى أن كان بعد السبعمائة من الهجرة اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، فتصدى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة وعلى الصوفية.

فافترق الناس فيه فريقين؛ فريق يقتدي به ويقول على أقواله ويعمل برأيه، ويرى أنه شيخ الإسلام وأجل حفاظ أهل الملة الإسلامية، وفريق يبدعه ويضلله ويرد عليه بإثبات الصفات، وينتقد عليه مسائل منها ما له فيه سلف، ومنها ما زعموا أنه خرق فيه الإجماع، ولم يكن له فيه سلف، وكانت له ولهم خطوب كثيرة، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا السماء، وله إلى وقتنا هذا عدة أتباع بالشام وقليل بمصر.»

65

بدأ الأشعري أول ما بدأ في طوره الثاني بعد أن ترك الاعتزال مقتصدا في علم الكلام، مقتصدا في مجادلة الخصوم، وقد نقل ابن السبكي في «طبقات الشافعية» حكايات تدل على أنه كان لا يتكلم في علم الكلام إلا حيث يجب عليه، نصرا للدين، ودفعا للمبطلين، وكان صاحب فراسة تعينه على التماس وجوه من الأساليب مختلفة في مناظرة من يناظرهم.

كان أهل السنة من قبل الأشعري لا يعتمدون إلا على النقل في أمور الاعتقاد على حين أخذت الفلسفة توجه أهل الفرق إلى الاعتماد على العقل؛ فلما أخذ الأشعري في مناضلة المبتدعة بالعقل حفاظا للسنة، جاء أنصار مذهبه من بعده يثبتون عقائدهم بالعقل تدعيما لها ومنعا لإثارة الشبه حولها، ووضعوا المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار مثل: إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم، وجعلوا هذه القواعد تبعا للعقائد في وجوب الإيمان بها، وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول، وهذه الطريقة هي المسماة بطريقة المتقدمين، ورأسها القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفى سنة 403ه/1013م)، وإمام الحرمين أبو المعالي (المتوفى سنة 478ه/1085م) من بعده، ولم يكن المنطق يومئذ منتشرا في الملة لاعتباره جزءا من أجزاء الفلسفة يجري حكمها عليه، ويتحرج منه كما يتحرج منها.

ثم مارس أتباع مذهب الأشعري المنطق، وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، وراعوا في استدلالاتهم ومناظراتهم قواعده، وقرروا أن بطلان الدليل لا يؤذن ببطلان المدلول الذي يمكن أن يثبت بدليل آخر، فصارت هذه الطريقة مباينة للطريقة الأولى، وسميت طريقة المتأخرين.

Unknown page