Tafsīr al-marāghī

تفسير المراغي

Publisher

شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر

Edition

الأولى

Publication Year

١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م

[الجزء الاول]
مقدمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم المحمود الله، جلت آلاؤه، والمصلى عليه محمد وآله.
وبعد: فإنا لنشاهد في عصرنا الحاضر ميل الناس إلى التزيد في الثقافة الدينية، ولا سيما تفسير الكتاب الكريم والسنة النبوية، وكثيرا ما سئلت أىّ التفاسير أسهل منالا، وأجدى فائدة للقارئ في الزمن القليل؟ فكنت أقف واجما حائرا لا أجد جوابا عن سؤال السائل، علما منى بأن كتب التفسير على ما فيها من فوائد جمة، وأسرار دينية عظيمة وإيضاح لمغازى الكتاب الكريم، قد حشيت بالكثير من مصطلحات الفنون:
من بلاغة ونحو وصرف وفقه وأصول وتوحيد إلى نحو أولئك مما كان عقبة كأداء أمام قارئيها، إلى ما فيها من أقاصيص مجانفه، لوجه الصواب متنكّبة عن حظيرة العقل ووجوه المعارف التي يصح تصديقها، إلى تفسير للقضايا العلمية التي أشار إليها القرآن العزيز بحسب ما أيده العلم فى تلك العصور، وقد أثبت العلم فى هذا العصر وأيد الدليل والبرهان أنه لا ينبغى التعويل على مثل ما كان معروفا حينئذ، إلى أن هذه المؤلفات وضعت

1 / 3

- فى عصور قد خلت- بأساليب تناسب أهلها، وكان مؤلفوها يتباهون بإيجازها ويرون ذلك مفخرة لهم، ولكن الزمان وهو الحوّل القلّب غيّر آراء الناس في الموسوعات العلمية، فرأوا أن الكتاب الذي لا يناجيك معناه لدى قراءة لفظه، أولى لك ألا تضيع وقتك في قراءته وكدّ الفكر فى الوصول إلى المعمّى من معناه.
ومن ثم نهج الناس فى التأليف منهج السهولة والسلاسة مع تحقيق المسائل العلمية حتى تعتز بمظاهرة الدليل والبرهان لها، ونفى الزائف الذي لا يقوم على ساقين، أو يستند إلى عضوين، من تجربة واختبار، وحجة وبرهان.
من جرّاء هذا رأينا مسيس الحاجة إلى وضع تفسير للكتاب العزيز يشاكل حاجة الناس فى عصرنا فى أسلوبه وطريق رصفه ووضعه، ويكون دانى القطوف، سهل المأخذ يحوى ما تطمئن إليه النفس من تحقيق علمى تدعمه الحجة والبرهان، وتؤيده التجربة والاختبار، ويضم إلى آراء مؤلفه آراء أهل الذكر من الباحثين فى مختلف الفنون التي ألمع إليها القرآن على نحو ما أثبته العلم فى عصرنا، وتركنا الروايات التي أثبتت فى كتب التفسير، وهى بعيدة عن وجه الحق مجانفة للصواب، والله أسأل أن يوفقنا للرشاد، ويهدينا إلى سواء السبيل؟
أول المحرم عام ١٣٦٥ هـ أحمد مصطفى المراغي

1 / 4

عناية المسلمين بتفسير الكتاب الكريم
كتاب الله هو دستور التشريع، ومنبع الأحكام التي طلب إلى المسلمين أن يعملوا بها، ففيه بيان الحلال والحرام والأمر والنهى، هو معين الآداب والأخلاق التي أمروا أن يستمسكوا بها، لتكون مصدر سعادتهم، ومنبع هدايتهم، ونيلهم الزّلفى عند ربهم في جنات النعيم فهى الوسيلة لإصلاح حال المجتمع الإسلامى إذا أخذوا بها ولم يحيدوا عن طريقها، وينحرفوا عن سننها.
ومما ساعد على العمل بها أنه نزل منجّما بحسب الحوادث والوقائع في نيف وعشرين سنة، وقد كانت تنزل على الرسول ﷺ الآية أو الآيات فى واقعة بعينها فيتدارسها مع صحبه، ويفصل لهم مجملها، ويوضح لهم مبهمها، ويفسر لهم مشكلها، حتى لا تبقى فى النفس بقية من لبس، وكان عليه الصلاة السلام الهادي لهم إلى سواء السبيل، والفاتح لهم ما استغلق من أمر دينهم، والمفسر لكتاب الله بسنته القولية وسنته الفعلية كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وظلّ دائبا هكذا حتى لحق بالرفيق الأعلى.
فلا غرو أن كان تفسيره وإيضاح ما أشكل عليهم فهمه منه- هجيراهم من بدء التنزيل في حياة الرسول ﷺ وبعد وفاته، وما زال الأمر كذلك في كل العصور حتى عصرنا، وما طفقت التفاسير تترى وهى مختلفة المناجى والمناهج، فما من عصر إلا جدّت فيه تفاسير تشاكل حاجة ذلك العصر ما بين مطوّل ومختصر كما نشاهد ذلك رأى العين، وإن كتاب الله لفيه من الأسرار ما لم يقف على كنهه جهابذة المفسرين وسيفسره الزمن وتقدم العلوم والفنون، ورقىّ الفكر الإنساني كما قال ﷾:
(وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) .

1 / 5

طبقات المفسرين
١- التفسير فى عصر الصحابة:
طفق المسلمون بعد وفاة الرسول ﷺ يتدارسون القرآن، ويتفهمون معناه بطريق الرواية عن صحبه الذين كانوا يجلسون فى حضرته كثيرا.
وقد اشتهر بالتفسير عشرة من الصحابة: الخلفاء الراشدون الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ، ثم عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير وأكثر من روى عنه التفسير من الخلفاء على بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة الباقين نادرة، وروى عن ابن مسعود المتوفى بالمدينة سنة ٣٢ هـ أكثر مما روى عن علىّ رضى الله عنه.
أما عبد الله بن عباس المتوفى بالطائف سنة ٦٨ هـ فهو ترجمان القرآن، وحبر الأمة، وشيخ المفسرين، فقد روى عنه فى التفسير ما لا يحصى كثرة،
دعا له النبي ﷺ فقال: اللهمّ فقّهه فى الدين وعلّمه التأويل.
قال صاحب كشف الظنون ما نصه:
وأصح الطرق فى الرواية عنه:
(١) طريق علىّ بن أبي طلحة الهاشمي المتوفى سنة ١٤٣ هـ، وعليها اعتمد البخاري فى صحيحه.
(٢) طريق قيس بن مسلم الكوفي المتوفى سنة ١٢٠ هـ عن عطاء بن السائب.
(٣) طريق ابن إسحاق صاحب السيرة.
(٤) طريق أبى النصر محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة ١٤٦ هـ وهى أوهى الطرق، ولا سيما إذا وافقتها طريق محمد بن مروان السّدّى الصغير المتوفى سنة ١٨٦ هـ.

1 / 6

وقد طبع تفسير ينسب إلى ابن عباس برواية الفيروز بادى صاحب القاموس، سماه (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) .
وروى عن أبيّ بن كعب المتوفى سنة ٢٠ هـ تفسير كبير رواه عنه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن في عهد النبي ﷺ، وكان أقرأ الصحابة وسيد القراء.
وزيد بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة ٤٥ هـ أحد كتاب الوحى، وهو الذي جمع المصحف أولا في عهد أبى بكر، ثم كان رئيس الجماعة الذين كتبوا المصحف فى عهد عثمان.
وأبو موسى الأشعري هو عبد الله بن قيس الأشعري المتوفي سنة ٤٤ هـ.
٢- التفسير في عهد التابعين
أعلم الناس بالتفسير فى هذا العصر:
(ا) علماء مكة أصحاب عبد الله بن عباس، وأشهرهم:
(١) مجاهد بن جبر المتوفى سنة ١٠٣ هـ وقد قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، واعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري.
(٢) سعيد بن جبير المتوفى سنة ٩٤ هـ.
(٣) عكرمة مولى ابن عباس المتوفى بمكة سنة ١٠٥ هـ.
(٤) طاوس بن كيسان اليماني المتوفى بمكة سنة ١٠٦ هـ.
(٥) عطاء بن أبي رباح المكي المتوفى سنة ١١٤ هـ.
قال سفيان الثوري: خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال قتادة: كان أعلم التابعين أربعة، كان عطاء بن أبى رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن «١» أعلمهم بالحلال والحرام.

(١) الحسن البصري.

1 / 7

(ب) علماء الكوفة أصحاب ابن مسعود، وأشهرهم:
(١) علقمة بن قيس المتوفى سنة ١٠٢ هـ.
(٢) الأسود بن يزيد المتوفى سنة ٧٥ هـ.
(٣) إبراهيم النخعي المتوفى سنة ٩٥ هـ.
(٤) الشعبي المتوفى سنة ١٠٥ هـ.
(ح) علماء المدينة أصحاب زيد بن أسلم العدوى المدني المتوفى سنة ١٣٦ هـ، وله تفسير يعدّ من أمهات التفاسير، ومن أشهرهم:
(١) ابنه عبد الرحمن بن زيد المتوفى سنة ١٨٢ هـ.
(٢) مالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩ هـ.
(٣) الحسن البصري المتوفى سنة ١٢١ هـ.
(٤) عطاء بن أبى مسلم الخراسانى المتوفى سنة ١٣٥ هـ.
(٥) محمد بن كعب القرظي المتوفى سنة ١١٧ هـ.
(٦) أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي المتوفى سنة ٩٠ هـ.
(٧) الضحاك بن مزاحم المتوفى سنة ١٠٥ هـ.
(٨) عطية بن سعيد العوفى المتوفى سنة ١١١ هـ.
(٩) قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة ١١٧ هـ.
(١٠) الربيع بن أنس المتوفي سنة ١٣٩ هـ.
(١١) إسماعيل بن عبد الرحمن السّدى الكبير المتوفى سنة ١٢٧ هـ.
٣- طبقة ثالثة جمعت أقوال الصحابة والتابعين:
وأشهر هؤلاء:
(١) سفيان بن عيينة المتوفى سنة ١٩٨ هـ.
(٢) وكيع بن الجراح الكوفي المتوفى سنة ١٩٧ هـ.

1 / 8

(٣) شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ.
(٤) يزيد بن هرون السّلمى.
(٥) عبد الرازق المتوفى سنة ٢١١ هـ.
(٦) آدم بن أبي إياس المتوفى سنة ٢٢١ هـ.
(٧) إسحاق بن راهويه الإمام الحافظ النيسابوري المتوفى سنة ٢٣٨ هـ.
(٨) روح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٥ هـ.
(٩) عبد الله بن حميد الجهني.
(١٠) أبو بكر بن أبى شيبة الإمام الحافظ الكوفي المتوفى سنة ٣٣٥ هـ.
٤- الطبقة الرابعة طبقة ابن جرير:
تلت هؤلاء طبقة أخرى، منها:
(١) علىّ بن أبى طلحة المتوفى سنة ٣٤٣ هـ.
(٢) ابن أبى حاتم عبد الرحمن بن محمد الرازي المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.
(٣) ابن ماجه الحافظ أبو عبد الله محمد القزويني المتوفى سنة ٢٧٣ هـ.
(٤) ابن مردويه أبو بكر أحمد بن موسى الأصفهانى المتوفى سنة ٤١٠ هـ.
(٥) أبو الشيخ بن حبان البستي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ.
(٦) إبراهيم بن المنذر المتوفى سنة ٢٣٦ هـ.
(٧) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وهو من أشهر مفسرى هذا العصر. قال السيوطي فى الإتقان: وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وللإعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين اهـ. وقال النووي النيسابورى الشافعي في تهذيبه: كتاب ابن جرير فى التفسير لم يصنف أحد مثله، وقال أبو إسحاق الاسفرائينى: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا، وروى أن ابن جرير قال لأصحابه:

1 / 9

أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا كم يكون قدره؟ قال: ثلاثين ألف ورقة. قالوا هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة، ذكر ذلك السبكى فى طبقاته.
٥- الطبقة الخامسة طبقة المفسرين بحذف الأسانيد:
ألف بعد هؤلاء جماعة من المفسرين لهم تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد، من أشهرهم:
(١) أبو إسحاق الزجاج إبراهيم بن السرىّ النحوي المتوفي سنة ٣١٠ هـ وقد سمى تفسيره (معانى القرآن) .
(٢) أبو على الفارسي الحجة الثبت فى اللغة والبلاغة، وصاحب المؤلفات الكثيرة فى مختلف الفنون، توفى سنة ٣٧٧ هـ.
(٣) أبو بكر محمد بن الحسن المعروف بالنقاش الموصلي المتوفى سنة ٣٥١ هـ.
(٤) أبو جعفر النحاس النحوي المصري المتوفى سنة ٣٣٨ هـ.
(٥) مكىّ بن أبى طالب القيسي النحوي المغربي المتوفى سنة ٤٣٧ هـ.
(٦) أبو العباس أحمد بن عمار المهدوى المتوفي سنة ٤٣٠ هـ وله تفسير يسمى (التفصيل الجامع لعلوم التنزيل) .
وقد دخل فى التفسير فى هذه الفترة الدخيل، إذ نقلت الأقوال بترا محذوفة الأسانيد، فالتبس الصحيح بالعليل، وصار كل من سنح له قول يورده، ومن خطر بباله شىء يعتمده، غير ملتفت إلى ما روى عن السلف الصالح فى ذلك، ومن هم القدوة فى هذا الباب.
٦- عصر المعرفة الإسلامية:
التقت فى البلاد الإسلامية تيارات العقل البشرى حاملة تراث المدنيات والحضارات

1 / 10

اليونانية والفارسية والهندية، ومرت بأهلها أعاصير من جدل أهل الكتاب يهودهم ونصاراهم، فكان كل أولئك حافزا للعلماء على أن يؤلفوا موسوعات فى التفسير تجمع بين دفتيها فنونا من المعرفة لم يكن لهم بها سابقة عهد، وسار الفكر الإسلامى حرّا طليقا فى معرفتها حينا، ومقيدا حينا آخر، يحكّم العقل مرة، ويسلس قياده للنص أخرى، ويميل إلى التقليد حين الضعف والانحلال والركود الفكرى.
ولما كان القرآن كتابا سماويا تنزل على قلب أكمل الأنبياء، مشتملا على معارف عالية ومطالب سامية، يجد المنقّب عنها من الهيبة والجلال ما يكاد يحول بينه وبين الوصول إليها- سهل سبحانه الأمر علينا، فلم يطلب منا إلا الفهم والتدبر فى كلامه، لأنه نزّله نورا وهدى للناس، وجعله حاويا للشرائع والأحكام التي لا يمكن العمل بها إلا إذا فهمت حق الفهم، واستوضحت مغازيها، وكشفت أسرارها ومراميها، من حيث هى دين إلهى، وهدى سماوى، ترشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتيهم الدنيوية والأخروية، وما سوى ذلك من وجوه النظر والبحث، فتابع لذلك، ووسيلة إليه فى التحصيل، ولا يعنينا العناية التي نهتم لها اهتمامنا بالمطلب الأول، لكنّ كثيرا من المفسرين، جعلوا عنايتهم تكاد تكون وقفا على الوسائل دون المقاصد:
(١) فمنهم من وجه النظر إلى البحث فى أساليب الكتاب ومعانيه، وبيان ما احتوى عليه من بلاغة وفصاحة، وأطنب فى ذلك وجعل مقصده بيان ميزته عن غيره من الكلام وإظهار إعجازه للناس، ليتبين لهم كيف أعجز مقاويل العرب وفصحاءهم، وكيف استخذوا أمامه ووقفوا وأجمعين؟ وكيف لجئوا إلى السيف والسنان، دون مقابلة البرهان بالبرهان؟ وكيف عمّى عليهم الأمر؟ فلم يجدوا لرد التحدي سبيلا.
وقد سلك هذا المسلك الزمخشري فى كشافه، فألمّ بالكثير من مقاصد البلاغة، وأبدع فيها أيّما إبداع، ونحا نحوه خلق كثير.
(٢) ومنهم من وجه النظر إلى إعرابه وتوسع فى بيان وجوهه، حتى كأن القرآن

1 / 11

لهذا أنزل، وممن سلك هذا المسلك الزجّاج فى تفسيره معانى القرآن، والواحدي النيسابورى في تفسيره (البسيط) وأبو حيان محمد بن يوسف الأندلسى فى البحر المحيط (٣) ومنهم من وجه النظر إلى القصص والأخبار عمن سلف، وقد نحا هذا النحو أقوام زادوا فى قصص القرآن ما شاءوا من كتب التاريخ والإسرائيليات. وليتهم اقتصروا على النقل من التوراة والإنجيل والكتب المعتمدة لدى أهل الكتاب، لكنهم أخذوا جميع ما سمعوه عنهم من غير تفريق بين غثّ وسمين، ولا تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل، ومن أشهر هؤلاء الثعلبي، وصاحب الخازن علاء الدين بن محمد البغدادي المتوفى سنة ٧٤١ هـ.
(٤) ومنهم من وجّه همه إلى الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات وكيفية استنباطها من الآيات، وربما استطردوا إلى إقامة الأدلة عليها، والرد على المخالفين مما لا تعلق له بالتفسير كما فعل القرطبي فى تفسيره.
(٥) ومنهم من عنى بالكلام فى أصول العقائد ومقارعة الزائغين، ومحاجة المخالفين وللإمام الرازي المتوفى سنة ٦١٠ هـ فى ذلك القدح المعلّى فى تفسيره الكبير المسمى بمفاتيح الغيب، فقد خرج فيه من باب إلى باب، حتى ليقضى الناظر العجب من صنيعه. ومن ثمّ قال أبو حيان الأندلسى فى البحر المحيط: جمع الرازي فى تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة إليها فى علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: تفسيره فيه كل شىء إلا التفسير اهـ.
(٦) ومنهم من اتجه إلى الوعظ والرقائق ممزوجة بحكايات المتصوفة والعبّاد، وفى بعضها خروج عن حدود الفضائل والآداب التي جرى عليها القرآن.
(٧) ومنهم من سلك طريق التفسير بالإشارة إلى دقائق لا تنكشف إلا لأرباب السلوك، ويمكن إرادتها مع إرادة ظاهر المعنى، وقال إن ذلك من كمال الإيمان ومحض العرفان.

1 / 12