568

فصل

[الحياء وكيفية نسبته إلى الله تعالى]

" الحياء ": صفة انفعالية تعتري الإنسان، تنقبض معها النفس عن ظهور ما يشبه القبيح عند طائفة مخافة أن يعاب به ويذم - وإن لم يكن قبيحا في نفسه -، وهو من الصفات المحمودة في الإنسان، لتوسطه بين طرفين مذمومين - وهما الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، والخجل الذي هو قصور النفس وانحصارها عن الفعل الحسن -.

واشتقاقه من " الحياة " ، لأنه انكسار للقوة الحيوانية، فيمنعها عن أفعالها، فيقال " حيى الرجل " أي: انكسرت نفسه، كما يقال: " حشي الحيوان ونسي " إذا اعتلت حشاه ونساه.

واعلم أن كل صفة تتصف بها نفس الآدميين بمشاركة البدن، فهي مذمومة في الحقيقة، كالشهوة والغضب، والإحساس والتحريك، والأكل والشرب، والضحك والبكاء، والخجل والوجل والحياء، لأن جميعها مما يعتريها النقص والفساد لأجل التضاد، إلا أن المتوسطة منها بين أطراف هذه الأوصاف والحالات - كالعفة والشجاعة والحياء -، لما كانت بمنزلة الخالي عنها - كالماء الفاتر بين الحار والبارد يقال له: لا حار ولا بارد. وهو بعد غير خارج عن جنس الأضداد، بل له حصة من كل منهما -، عدت محمودة لأنها شبيهة بالقوة، غير مقتضية لاشتغال النفس بها وانكبابها عليها، فإن النفس كلما لم تنفعل عن موجبات القوى ودواعيها، فهي أقهر على قمعها باكتساب الهيئة الاستعلائية عليها، بها يسهل لها الانقطاع عن هذا العالم، والاتصال بأجنحة الكروبيين.

فقد علم أن الحياء وما يجري مجراه من الصفات، ليس من الكمالات الحقيقية للنفس - فضلا عما فوقها - وإله الكل أحق بأن ينزه عما يوجب الانفعال والانقهار، وهو الواحد القهار.

ولكنه قد ورد في الأحاديث عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي (صلى الله عليه وآله):

" إن الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا "

وقد جاء في الحديث أيضا:

" إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه "

Unknown page