482

وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا

[نوح:23]. ودينهم باق إلى الآن.

والدين الذي هذا شأنه، يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، لكن العلم بأن الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض، ضروري؛ فيمتنع إطباق الجمع العظيم [عليه]، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوها:

أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصورة، وكذا الملائكة؛ وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله وملائكته، فيعتكفون على عبادة الأصنام قاصدين به طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته، فعلى هذا ، السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد التشبيه.

وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا أن السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، بالغوا في تعظيمها.

فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلقت هذه العوالم؛ ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر، إلا أنها خالقة لهذا العالم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها؛ ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتخذوا لها أصناما، وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ولما طالت المدة، تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهم بالحقيقة عبدة الكواكب كالصابئة، إلا أنهم أدون منزلة منهم، نسبتهم إلى الصابئة نسبة الطبيعية إلى الدهرية.

وثالثها: أن أصحاب الأحكام يرتقبون أوقاتا في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتخذ طلسما في ذلك الوقت على وجه خاص، فإنه ينتفع به في أوقات مخصوصة نحو السعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه، لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم، صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدء الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها.

ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير، يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله، اتخذوا صنما على صورته، وعبدوه على اعتقاد أنه ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند الله تعالى و

يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله

[يونس:18].

Unknown page