403

واعلم أن الداعي على فعل الباري عند المحققين، ليس بأمر زائد على ذاته وقدرته، كالإرادة، لأنه عندهم عبارة عن كون ذاته عالما بالنظام الأعلى للعالم، والأشاعرة لم يقولوا بالداعي، لتجويزهم ترجيح المختار أحد مقدوريه بالإرادة من غير مرجح، وتخصيص أحد المتساويين من غير مخصص، والمعتزلة، وكذا أصحابنا الإمامية، قائلون بالداعي، لشهادة عقولهم باستحالة الترجيح بلا مرجح مع استلزامه للترجيح بلا مرجح إذا نقل الكلام في تحقق الإرادة وعدمها، وذلك بديهي الإمتناع عند كافة العقلاء، لكن المعتزلة قالوا بزيادة الداعي على ذاته تعالى وعلى علمه، فمنهم من يقول - موافقا لبعض أصحابنا - إنه مصلحة راجعة إلى شخص شخص من أشخاص الموجودات، ومنهم من يقول: إنه ذات الوقت، ومنهم من يقول بامتناع وجود العالم في غير ذلك الوقت، إذ لا وقت قبله، وهذا المقام مما لم تثبت فيه قدم راسخ إلا لمن نور الله بصيرته، فإنه من مزال أقدام الأقوام.

واشتقاق " القدرة " من " القدر " ، لأن القادر يوقع الفعل على مقدار قوته، أو مقدار ما تقتضيه مشيته.

واستدل بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور الله تعالى؛ لأن مقدور العبد شيء، وكل شيء مقدور له تعالى - خلافا لأبي هاشم وأبي علي -، وعلى أن المحدث حال حدوثه مقدور. لأن المحدث حال حدوثه " شيء " ، وكل شيء مقدور - خلافا للمعتزلة - فإنهم قائلون: بأن الاستطاعة قبل الفعل محال.

واستدل من قال بتقدمها على الفعل بوجهين:

أحدهما: أنه لو تحقق قبل الفعل، لكان تكليف الكافر بالإيمان تكليف العاجز، وهو غير واقع بالإتفاق، كما قال تعالى:

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

[البقرة :286].

وثانيهما: أن القدرة يلزمها كونها محتاجا إليها في الفعل، ومع الفعل لا يبقى الاحتياج، وقد مر وجه اندفاعه، لأن الحصول لا ينافي الحاجة إلى العلة.

وأجيب عن الأول: بأن تكليف الكافر بايقاع الإيمان في ثاني الحال، أعني وقت حصول الاستطاعة، وهي مع الفعل.

ويرد عليه أنه لو استمر على الكفر، لم تتحقق القدرة أصلا بناء على أنها مع الفعل، والتالي باطل بالاتفاق.

Unknown page