Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
{ وجيء يومئذ بجهنم } أي: أحضرت تهويلا على أصحابها وتفضيعا { يومئذ } أي: يوم القيامة التي ظهرت فيها هذه الآثار { يتذكر الإنسان } معاصيه وقول من يزجره عنها وينذره، فيندم عليها ويتأسف { وأنى له الذكرى } [الفجر: 23] أي: من أين ينفعه التذكر والذكرى حينئذ؛ إذ نشأة الاختبار والتلاقي قد انقضت؟!
[89.24-30]
وبعدما جزم أنه لا نفع يومئذ لتذكرة { يقول } متمينا على وجه الحسرة والندامة: { يليتني قدمت } في الابتلاء والاختبار { لحياتي } [الفرج: 24] ونجاتي في هذا اليوم.
وبالجملة: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } [الفجر: 25] أي: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما عذب هو نفسه بالحسرة والندامة وأنواع الكربة والكآبة والخذلان.
{ ولا يوثق } ويحكم { وثاقه } ونكاله { أحد } [الفجر: 26] مثل ما أوثقه وأحكمه هو على نفسه بأنواع الخيبة والخسران والغصة والحرمان؛ إذ العذاب الروحاني الطارئ من الندامة والخذلان لا يقال شدة تأثيره إلى سائر العذاب الجسماني.
ثم أشار سبحانه إلى حسن أحوال أرباب العناية والكرامة يومئذ من المؤمنين الموقنين الذين تزودوا في النشأة الأولى للأخرى، واتصفوا بالتقوى، ولم يعصوا في مدة أعمارهم إلى المولى، ولم يتبعوا الهوى، واطمأنوا ووطنوا نفوسهم بما جرى عليهم من مقتضيات الانقضاء، وبالجملة: لم يضطربوا في السراء والضراء، ولم يبالوا في الشدة والرخاء، فيقال لهم يومئذ: { يأيتها النفس المطمئنة } [الفجر: 27] المتقررة المتمكنة بمقام الرضا والتسليم.
{ ارجعي إلى ربك } واصعدي على الطريق الذي هبطت عنه { راضية } متصفة بالرضا كما كنت راضية بالقضاء في النشأة الأولى { مرضية } [الفجر: 28] مقبولة مكرمة عند المولى.
وبعدما رجعت على الوجه المذكور { فادخلي في } زمرة { عبادي } [الفجر: 29] الذين وصلوا إلى كنف جواري، وحصلوا في مقعد الصدق لدي.
{ و } بالجملة: { ادخلي جنتي } [الفجر: 30] أي: جنة وحدتي واستريحي في خلوة لاهوتي.
جعلنا الله ممن خوطب بهذا الخطاب المستطاب، إنه هو الملهم للصوةاب، وعنده حسن المآب.
Unknown page