Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
{ و } اعلم يا أكمل الرسل أنا بمقتضى عظيم جودنا معك { نيسرك } ونوفقك على التدين والتحفظ بمقتضيات الوحي { لليسرى } [الأعلى: 8] أي: للطريقة السلهة السمحة البيضاء.
وبعدما يسرنا لك وسلهنا عليك طريق الهداية والإرشاد { فذكر } يعني: عظ بالقرآن وبين الأحكام الموردة فيه للناس { إن نفعت الذكرى } [الأعلى: 9] أي: سواء نفعت عظتك وتذكيرك إياهم أو لم تنفع؛ إذ ما عليك إلا البلاغ، وعلينا الحساب.
[87.10-19]
ولا تيأس يا أكمل الرسل من مبالغتهم في الإعراض والانصراف عنك وعن تذكيرك إنه { سيذكر } ويتعظ بتذكيرك { من يخشى } [الأعلى: 10] عن بطش الله، وعن كمال قدرته على وجوه الانتقام.
وبعدما تأملت في القرآن مرارا، وتدبرت في فحاويه تكرارا، تنبه على حقيقته، فتذكر به وامتثل بما فيه { ويتجنبها } أي: يعرض عنها وعن سماعها؛ يعني: الذكر والعظة التي هي القرآن { الأشقى } [الأعلى: 11] أي: الكافر، الذي جبل على فطرة الشقاوة وجبلة الجهل والغباوة.
{ الذى يصلى } ويدخل في النشأة الأخرى { النار الكبرى } [الأعلى: 12] التي هي بأضعاف نار الدنيا في الحرقة والحرارة، لذلك قال: " كبرى " أو في الدرك الأسفل منها وهو أكبرها.
{ ثم } بعدما دخل في نار القطعية والحرمان بأنواع الخيبة والخذلان { لا يموت فيها } يعني: يستريح { ولا يحيا } [الأعلى: 13] حياة نافعة طيبة كسكان بقعة الإمكان، الداخلين في نيران الشهوات ودركات الأماني والآمال، لا يموتون حتى يستريحوا، ولا يحيون بلا منية إلا منية وغل الأمل وسلسلة الحرص.
وبالجملة: هم معذبون في عموم الأوقات والأحوال، لا نجاة لهم عنه ما داموا في قيد الحياة، وبعدما ماتوا بأنواع الحسرات، سيصلون في أسفل الدركات وأصعب العقوبات.
هب لنا جذوة من نار المحبة، تنجينا عن نيران الإمكان في النشأة الأولى والأخرى .
ثم قال سبحانه على سبيل التنبيه { قد أفلح } وفاز بالدرجة القصوى والمرتبة العليا { من تزكى } [الأعلى: 14] وتطهر عن أدناس الطبائع وأكدار الهيولى من الميل إلى الدنيا وما فيها من اللذات الفانية، والشهوات الغير الباقية، وتوجه نحو المولى بالعزيمة الخالصة.
Unknown page