Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
{ لا يسمعون فيها } أي: في الجنة عند شرب خمور المحبة { لغوا } فضولا من الكلام { ولا كذابا } [النبأ: 35] أي: مكاذبة، يكذب بعضهم بعضا، كما يقع بين شاربي شراب الدنيا.
وإنما يجازون بما يجازون { جزآء } ناشئا { من ربك } يا أكمل الرسل { عطآء } منه إياهم تفضلا عليهم وإحسانا؛ إذ لا يجب عليه سبحانه شيء { حسابا } [النبأ: 36] كافيا وافيا، لا ينقصون ولا ينتظرون.
وكيف لا يتفضل سبحانه على أوليائه، مع كونه { رب السموت والأرض } السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة نافع وابن كثير وغيرهما: " رب " أي: مربي العلويات والسفليات { وما بينهما } من الممتزجات { الرحمن } السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة نافع وابن كثير وغيرهما: " الرحمن " المستوي على عروش الكل بالرحمة العامة، والاستيلاء التام، والسلطنة القاهرة، والبسطة الغالبة بالإرادة والاختيار، بحيث { لا يملكون } ولا يقدرون؛ أي: أهل السماوات والأرض { منه } سبحانه { خطابا } [النبأ: 37] أي: لا يسع لهم أن يخاطبوه، ويطالبوا منه شيئا من زيادة ثواب ونقص عقاب، بل هو بذاته فقال لكل ما يريد من مقتضيات أسمائه وصفاته بالإرادة والاختيار، لا يسئل عن فعله، إنه حكيم حميد؟!
وكيف يملك وبقدر خطابه سبحانه هؤلاء الأظلال الهلكى في حدود ذواتهم، مع أنه { يوم يقوم الروح } أي: الوجودات الإضافية الفائضة على هياكل الهويات من أشعة نور الوجود المطلق { والملائكة } أي: الأسماء والصفات الإلهية المجردات عن التعلقيات مطلقا { صفا } صافين مصطفين، سكاتين صامتين من كمال دهشتهم عن سطوة سلطنة الذات القاهرة الغالبة { لا يتكلمون } حنيئذ، ولا يقدرون على التفوه بالحال أو المقال { إلا من أذن له الرحمن } بالشفاعة والسؤال فتكلم بإذنه { وقال صوابا } [النبأ: 38] مرضيا عند الله مستجابا؟!
وبالجملة: { ذلك اليوم } أي: يوم الفصل والقيامة هو اليوم { الحق } الثابت الكائن وقوعه بلا خلف ولا ريب { فمن شآء } أن يأمن من فتنته، ويخلص من عذابه { اتخذ } وأخذ في النشأة الأولى { إلى ربه مآبا } [النبأ: 39] مرجعا ومنقلبا يتوجه إليه، ويتحنن نحوه متقربا بصوالح الأعمال، ومحاسن الأخلاق والأطوار.
وبالجملة: { إنآ أنذرناكم } أيها المعرضون عن الله، المنصرفون عن طاعاته وعباداته { عذابا قريبا } سليحقكم بغتة، وأنتم لا تشعرون بأماراته ومقدماته { يوم ينظر المرء } ويرجى جميع { ما قدمت يداه } خيرا كان أو شرا، نفعا كان أو ضرا { و } بعدما رأى الكل يومئذ ما رأى من المصالح والمقابح الصادرة منه، الجارية عليه { يقول الكافر } الرائي قوابح أفعاله، وفواسد أعماله، متأسفا متحسرا متمنيا هلاكه على سبيل المبالغة: { يليتني كنت ترابا } [النبأ: 40] لم أخلق ولم أكلف؛ حتى لا أستحق هذا الويل والثبور.
هب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الحريم الغفور.
خاتمة السورة
عليك أيها الموحد المحمدي أن تتزود ليوم الجزاء بالتقوى عن محارم الله، والاجتناب عن منهياته، والامتثال بأوامره، والتخلق بأخلاقه؛ حتى لا تستحي من الله في يوم الجزاء، ولا تتمنى مقتك وهلاكك مثل من كفر وعصى.
فلك أن تلازم على أداء الواجبات والمستحبات، والمسنونات من الصلوات والزكوات وأنواع الطاعات، والتقرب نحوه بالنوافل من الطاعات والصلوات والصدقات، والخدمة بالجوارح والآلات لعموم عباد الله، والسعي إلى مطلق الخيرات والمبرات، والاجتهاد في طريق الحسنات وترك السيارات ومطلق المنكرات؛ حتى تتخلص من كؤود العقبات، وتصل إلى روضات الجنات، وتفوز بالفوز بالسعادات وأنواع الكرامات.
Unknown page