Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
{ فأصحاب الميمنة } أي: اليمن والكرامة من الأخيار الأبرار المحسنين بصوالح الأعمال والأحوال ومحامد الأخلاق والأطوار { مآ أصحاب الميمنة } [الواقعة: 8] أي: ما أعظم شأنهم وإكرامهم، وأحسن حالهم بيمنهم وسعادتهم الشاملة لهم حسب اتصافهم بصالحات الأعمال، وبالاعتقادات الصحيحة والأخلاق المرضية.
{ وأصحاب المشأمة } والشمال؛ أي: ملازمو الشآمة والملامة، وأنواع الندامة والخذلان، من المفسدين المسرفين، المصرين على أنواع الكفر والفسوق وأصناف العصيان والآثام من مفاسد العقائد، ومقابح الشيم والأخلاق { مآ أصحاب المشأمة } [الواقعة: 9] أي: ما أقبح حالهم أشد عذابهم ، ونكالهم وشآمتهم وشقاوتهم المستمرة عليهم بشؤم مكاسبهم ومفاسدهم.
{ والسابقون } المبادرون نحو الحق من طريق الفناء، الباذلون مهجهم في سبيله إلى الدرجات الإرادية شوقا إلى لقائه هم { السابقون } [الواقعة: 10] المقصورون على السبق والحضور مع الله بلا توجه منهم إلى لوازم هوياتهم الباطلة وهياكلهم العاطلة.
{ أولئك } المقبولون هم { المقربون } [الواقعة: 11] عند الله المتنعمون { في جنات النعيم } [الواقعة: 12] أي: منتزهات الوحدة الذاتية التي هي اليقين العلمي والعيني والحقي.
وهؤلاء المقربون الواصلون إلى مقر الوحدة متفاوتون في القلة والكثرة، والدرجات العلية والمقدمات السنية بالنسبة إلى مسالكهم ومعارجهم لذلك { ثلة } أي: جماعة عظيمة { من الأولين } [الواقعة: 13] أي: من الأمم السالفة، وهم الأبرار الذين تقربوا نحو الحق بتوحيد الصفات والأفعال.
{ وقليل من الآخرين } [الواقعة: 14] أي: حمع قليل بالنسبة إلى الأولين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم الذين وصلوا بل اتصلوا إلى الله سبحانه من طريق توحيد الذات، المسقط لعموم الإضافات والكثرات، وهؤلاء أعزك، وأقل وجودا بالنسبة؛ أي: الأمم السالفة، لذلك وصفوا بالقلة، وبالجملة: كلهم على تفاوت طبقاتهم في منتزهات الوحدة متنعمون متمكنون: { على سرر موضونة } [الواقعة: 15] مسوجة مشبكة حسب درجاتهم العلية ومقاماتهم السنية.
{ متكئين عليها } أعلى تلك السرر { متقابلين } [الواقعة: 16] مع عموم كمالاتهم ومقاماتهم وحالاتهمه بلا ترقب منهم وانتظار لهم، ومع ذلك { يطوف عليهم } للمؤانسة { ولدان } صباح ملاح مصورون من حسنات أعمالهم وأخلاقهم { مخلدون } [الواقعة: 17] دائمون مستمرون على تلك الصور الصبيحة المليحة، لا يتغيرون، ولا يتحولون منها أصلا كتغير ملاح الدنيا.
[56.18-50]
{ بأكواب } يعني: يطوفون عليهم بكؤوس، وهي التي لا عرى لها { وأباريق } وهي التي لها عرى مملوء من الماء القراح، المثمر للعلوم اللدنية لشاربيها { وكأس من معين } [الواقعة: 18] أي: من رحيق التحقيق واليقين الذي { لا يصدعون عنها } ولا يشوشون في تحصيلها كالعلوم المكتسبة { ولا ينزفون } [الواقعة: 19] ولا يسكرون منها، إلى حيث ينقطع تلذذهم بها من غاية سكرهم.
{ وفاكهة } كثيرة { مما يتخيرون } [الواقعة: 20] أي: يختارون وينتخبون لأنفسهم من أنواع المعارف والحقائق والأحوال والمقامات التي تتلذذها أرواحهم من آثار الأسماء والصفات الإلهية.
Unknown page