674

ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية: { إن الذين آمنوا } بوحدة الحق واستقلاله في الألوهية { وعملوا الصالحات } أي: أكدوا إيمانهم بصالحات الأعمال مخلصين فيها لمجرد امتثال أمر العبودية، بلا ترقب منهم إلى ما يترتب عليها من المثوبات { لهم } عند ربهم بدل إخلاصهم { أجر } وجزاء { غير ممنون } [فصلت: 8] أي: بلا منة معقبة للثقل والأذى، بل يحسن ويتفضل عليهم سبحانه من محض الرضا.

[41.9-12]

{ قل } يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله، وجحد توحيده على سبيل التوبيخ والتقريع: { أإنكم } أيها الجاهدون المسرفون { لتكفرون } وتنكرون { بالذي } أي: بالقادر العليم الحكيم الذي { خلق الأرض } أي: عالم الطبيعة والهيولي { في يومين } يوما لاستعداداتها القابلة لانعكاس أشعة نور الوجود، ويوما لاتصافها بها بمقتضى الجود الإلهي.

{ و } من كمال غفلتكم وضلالكم عن توحيد الحق وتوحده في ذاته { تجعلون له أندادا } تثبتون له شركاء في الوجود، مشاركين معه سبحانه في الآثار والتصرفات الواقعة في الكائنات، وتتوجهون نحوهم في الخطوب والملمات، مع أنه لا رب لهم سواه سبحانه، ولا مرجع لهم غيره، بل { ذلك } الواحد الأحد الصمد الذي ذكر نبذا من أخص أوصافه { رب العالمين } [فصلت: 9] أي: موجد جميع ما لاح عليه برق الوجود، ومربيها بمقتضى الجود.

{ و } كيف تنكرون وحدة الحق، واستقلاله في ملكه وملكوته مع أنه { جعل } بمقتضى حكمته { فيها } أي: في عالم الطبيعة { رواسي } اي: أقطابا وأوتادا رفعية الهمم عالية القدر مستمرة { من فوقها } أي: من عالم الأسماء والصفات { و } لهذا { بارك فيها } وكثر الخير والبركة عليها { و } من كما حكمته سبحانه { قدر فيهآ أقواتها } أي: قدر وأظهر في عالم الطبيعية جميع ما يحتاج إليه أهلها من الرزق الصوري والمعنوي تتميما لتربيتهم، وتكميلا لهم حسب نشأتهم.

كل ذلك صدر منه سبحانه { في أربعة أيام } يومين للنشأة الأولى المتعلقة بالظور والبروز، ويومين للنشأة والأخرى المتعلقة بالكمون والبطون، ولهذا كانت الأيام المذكورة { سوآء } أي: سبيلا وطريقا مستقيما { للسآئلين } [فصلت: 10] المستكشفين عن مدة بروز عالم الطبيعة عن مكمن الغيب.

{ ثم } أي: بعدما هبط ونزل من عالم الأسماء إلى مهبط الطبيعة والهيولي، وصعد إليها { استوى إلى السمآء } أي: سماء الأسماء، وتمكن عليها مستعليا مستغنيا فارغا عن الصعود والهبوط { و } الحال أنه { هي } أي: عالم الأسماء والصفات في أنفسها أيضا { دخان } حجاب بالنسبة إلى صرافة الذات؛ إذ لا تلخوا عن شوب الكثرة المستلزمة للظلمة، بعدما استقر عليها سبحانه، وتمكن { فقال لها } أي: لسماء الأسماء والصفات.

{ وللأرض } أي: الطبيعة والهيولي إظهارا للقدرة الشاملة والسلطنة الغالبة: { ائتيا } وتوجها نحو جانبنا، منسلخين عن هوياتكما الباطلة ووجوداتكما العاطلة الزائلة { طوعا أو كرها } أي: طائعتين أو كارهتين؛ إذ لا وجود لكما في أنفسكما، وبعدم سمعتا من النداء المهوول ما سمعتا { قالتآ } على وجه التصريح والتذلل، حسب استعداداتهما الف

رية وقابالياتهما الجبلية: { أتينا } نحو بابك يا ربنا { طآئعين } [فصلت: 11] من أين يتأتى منا الكره لحكمك، يا من لا وجود لنا إلا منك، لا تحقق إلا بك، نعبدك ونستعين منك عل العبادة عبادتك؛ إذ لا معبود لنا سواك، ولا مقصود إلا إياك.

{ فقضهن } أي: قضي سبحانه وقدر لإمدادهما { سبع سموت } على عدد الصفات السبع التي هي أمهات الأسماء الإلهية { في يومين } أي: يوم الظهور ويوم البطون، يوم ل تحصيل المادة، ويوم لتكميل الصورة { و } بعدما حكم وقضي سبحانه { أوحى } وألهم { في كل سمآء } من الأسماء المدبرة { أمرها } أي: أمورها التي طلب منها ووضع لأجلها { و } قال سبحانه بعدما رتبها عليها تتميما للتربية، وتكميلا للقدرة الكاملة الشاملة: { زينا السمآء الدنيا } أي: القرب إلى عالم الشهادة المشتملة على الآثار والأعمال، الصادرة من المظاهر والأظلال { بمصبيح } مقتبسة مسرجة من أشعة أنوار الذات { و } جعلناها { حفظا } أي: وقاية ورقيبا لأرباب العناية من وساوس شيطان الأوهام، والخيالات المترتبة على القوى الطبيعية المائلة بالذات إلى السفل { ذلك } الذي سمعت من الخلق والإيجاد على النظام البديع والترتيب العجيب { تقدير } الحكيم { العزيز } الغالب على إيجاد جميع ما دخل في حيطة إرادته { العليم } [فصلت: 12] بإظهارها على عموم الصور الممكنة لظهورها.

Unknown page