Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
يعني: وبحق هؤلاء الملائكة الذين هم من سدنة حضرة اللاهوت، وخدمة عتبة جناب الرحموت، والمتظرون لما صدر عنه سبحانه من الأمور المتعلقة بالملك والملكوت { إن إلهكم } الذي أظهركم وأبدعكم من كتم العدم، ولم تكونوا أيها العكوس المستهلكة في شمس الذات شيئا مذكورا، لا حسا ولا عقلا ولا وهما { لواحد } [الصافات: 4] أحد صمد فرد وتر، ليس له شريك في الوجود ولا نظير في الظهور والشهود.
فهو وحده بوحده ذاته وكمال أسمائه وصفاته { رب السموت } العلا { والأرض } السفلى { وما بينهما } من الكوائن والفواسد الممتزجة منهما إلى ما لا يتناهى، ولا مربي للمذكورات سواه، ولا مظهر للكائنات إلا هو { و } هو سبحانه { رب المشارق } [الصافات: 5] أي: الاستعدادات القابلة لشروق شمس ذاته المتأثرة من أشعة أسمائه وصفاته.
وبعدما ثبت استقلالنا وتوحيدنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا ولا هوتنا وجبروتنا { إنا } من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا { زينا السمآء الدنيا } أي: القربى لكم أيها المكلفون، حيث ترون ما فيها { بزينة الكواكب } [الصافات: 6] أي: بزينة هي الكواكب، أو البدل على كلا القراءتين بتنوين وبلا تنوين، تزيينا تبتهجون بها حين تنظرون إليها، وتتأثرون سعدا ونحسا إقبالا وإدبارا.
{ و } جعلناها { وحفظا } أي: بعدما زينا السماء بها صيرناها صائنة حفظا لها { من } وصول { كل شيطان مارد } [الصافات: 7] خراج عن إطاعة الله، مائل عن توحيده إياها.
كي { لا يسمعون } أي : مردة الشياطين ولا يصغون { إلى الملإ الأعلى } أي: إلى الأذكار والاستغفار وسائر الأسرار الجارية على ألسن الملائكة، إذ هم؛ أي: الشياطين والجن أشبه المخلوقات إلى الملائكة، وإنما منعهم سبحانه عن الإصغاء إليهم؛ لأ،هم من كمال عداوتهم مع بني آدم يعكسون عليهم ما يسمعون، فيضلونهم به عن الصراط المستقيم، أو يدعون الألوهية والربوبية لأنفسهم، ويحتجون بما يسمعون من الملائكة ترويجا وتغريرا، ويلبسون الأمر على ضعفة الأنام، فيحرفونهم عن جادة التوحيد والإسلام { و } لذلك { يقذفون } ويطردون أولئك الماردون { من كل جانب } [الصافات: 8] من جوابن السماوات وآفاقها.
{ دحورا } طردا بليغا وزجرا شديدا { و } مع ذلك الطرد الزجر { لهم } أي: للشياطين { } في النشأة الأخرى { عذاب واصب } [الصافات: 9] مؤبد دائم، لا ينفك عنهم في حين من الأحيان.
{ إلا من خطف الخطفة } أي: يطرد الماردون، ولا يسمعون إلا من اختطف واختلس من الملائكة الخطفة على سبيل المسارقة { فأتبعه } أي: تبعه ولحقه على الفور حين اختطافه واختلاسه { شهاب ثاقب } [الصافات: 10] أي: كوكب مضيء كجذوة النار، يثقب الجني فيقتله، أو يحرقه، أو يخبله.
والقول بأن الشهب من الأمور الكائنة في الجو من الكواكب قول تخميني ابتدعه الفلاسفة من تلقاء نفوسهم، لا يعضده عقل، ولا يوافقه نقل.
وأما قولهم في ضبط الحركات الفلكية والأجرام العلوية، وتقويم الكواكب والبروج، وتقدير الأشكال والصور إلى غير ذلك من الأمورم المؤدية إلى الحس رما يؤدي إلى اليقين، أما في طبائع المكونات وحقائق الموجودات، وكيفية تراكيب الماهيات وغير ذلك من الأمور الحقيقية التي لا مجال للحس فيها ولا لعقل، ما هو إلا تخمين زائل وزور باطل؛ إذ لا يعرف كنه الأشياء إلا خالقها ومظهرها، لا يسع لأحد أن يتفوه عنها، وعن كيفيتها وكميتها وكمية التئامها على ما هي عليها والتركيبات الحقيقية.
وهم؛ أي: مرادة الشياطين بمجرد تلك الخطفة المختلسة يضلون كثيرا من الناس إلى حيث يستبعدونهم، ويأمرونهم بالإطاعة والانقياد إلى أنفسهم، والعبادة إياهم باتخاذهم أولياء آلهة من دوننا جهلا وعنادا.
Unknown page