Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
والسر في إنطاق الله سبحانه الأعضاء والجوارح بما صدر عنها هو الإشارة إلى أن الالتفات إلى السوى والأغيار مطلقا مضر لذوي الألباب والاعتبار، وسبب تفضيح وتخذيل لدى الملك الجبار الغيور القهار، فلا تذهب إلا إلى الله، ولا تصحب إلا مع الله، ولا تعتمد إلا بالله، ولا تتوكل إلا على الله، فاتخذه سبحانه وكيلا، وكفاك سبحانه حسيبا وكفيلا.
رزقك الله وإيانا حلاوة صحبته، وجنبك وإيانا عن الالتفات إلى غيره بمنه وجوده.
ثم قال سبحانه إظهارا لكمال قدرته واختباره: { و } كما ختمنا على أفواههم حينئذ وطبعنا على قلوبهم قبل ذلك حينما قبلوا دعوة الرسل { لو نشآء } أن نعيمهم ونذهب بأبصارهم { لطمسنا على أعينهم } وصيرناها مطموسة ممسوحة كسائر أعضائهم، بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق { فاستبقوا } وبادروا { الصراط } والطريق المعهود لهم، وهم قد مروا عليها مرارا كثيرة { فأنى يبصرون } [يس: 66] فكيف يبصرون بعدما صاروا مطموسين.
بل { ولو نشآء } أي: نسقطهم عن ربقة التكليف ودرجة الاعتبار { لمسخناهم } وأخرجناهم عن رتبة الإنسانية إلى الحيوانية، بل عن الحيوانية إلى الجمادية أيضا، إلى أن صاروا جامدين خامدين { على مكانتهم } كالجمادات الأخر بحيث لا يسع أن يتحولوا عنها أصلا { فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون } [يس: 67] يعني: لو نشاء مسخناهم وأخرجناهم عن رتبة الخلافة والنيابة وفطرة التكليف والتوحيد، لصيرناهم جمادات لا قدرة لهم على الذهاب والإياب أصلا.
وبالجملة: هم بسبب أعمالهم الفاسدة وأفعالهم القبيحة وأوصافهم الذميمة وأخلاقهم الغير مرضية أحقاء أن يفعل لهم ما ذكرنا، لكن سبقت رحمتنا واقتضت حكمتنا أن نمهلهم زمانا إلى أن يتنبهوا أو يتولد منهم من يتنبه ويتفطن.
{ و } كيف لا نقدر على الطمس والمسخ مع أنا بمقتضى قدرتنا وقوتنا { من نعمره } منهم، ونطيل عمره في الدنيا { ننكسه في الخلق } ونضعفه بالآخرة إلى أن نرده إلى أرذل العمر؛ لكيلا يعلم بعد علم شيئا، ثم نميت الكل ونصيرهم ترابا وعظاما، ولا شك أن من قدر على الإحياء والإماتة والتطويل والتنكيس، قادر على المسخ والتطميس، فمن أين يتأتى لهم أن ينكروا قدرتنا واختيارنا في أفعالنا، واستقلالنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا؟! { أفلا يعقلون } [يس: 68] ويتأملون آثار قدرتنا الكاملة الظاهرة على الآفاق والأنفس أولئك العقلاء المتأملون حتى يتفطنوا ويتيقنوا بها.
[36.69-76]
ثم لما قال كفار مكة خذلهم الله: إن محمدا شاعر، وما جاء به مفترى إلى ربه من جملة الأشعار والقياسات المخيلة المشتملة على الترغيبات والتنفيرات والمواعيد والوعيدات، وإدعاء النبوة والوحي والمعجزة ما هو إلا قول باطل وزور ظاهر.
رد الله عليهم قولهم هذا على وجه المبالغة والتأكيد فقال: { وما علمناه الشعر } أي: ما جعلنا فطرته الأصلية واستعداده الجبلي قابلة على القياسات الشعرية المبنية على محض الكذب والخيال والمرغب أو المنفر، بل ما جعلناها إلا منزهة عنها، بريئة عن أمثالها، طاهرة عن أدناس الطبيعة مطلقا، خالصة عن شوائب الإمكان ولوث الجهل والتقليد، متحلية باليقين والبرهان المنتهي إلى الكشف والعيان، ثم إلى الحق الذي هو منتهى الأمر في باب العرفان، بل { وما ينبغي له } ويليق بشأنه وبشأن كتابه أن ينسب هو وهو إلى الشعر والشعراء اللذين هما أبعد بمراحل عن ساحة جلالهما، بل { إن هو } أي: ما الكلام المنزل على خير الأنام { إلا ذكر } عظة وتذكير ناشئ عن العلم والحكمة المتقنة الإلهية مشير إلى التوحيد الذاتي، منبه عليه { وقرآن مبين } [يس: 69] مشتمل على أحكام ظاهره وآيات واضحة وبينات لائحة، محتوية على الأوامر والنواهي الإلهية، والحدود والقوانين الموضوعة بالوضع الإلهي بين عباده؛ ليوصلهم إلى طريق توحيده، منزلة على رسوله المستعد لحمله وقبوله.
{ لينذر } أنت يا أكمل الرسل بالتبليغ، إن قرئ على صيغة الخطاب، أو القرآن إن قرئ على الغيبة { من كان حيا } بحياة الإيمان، موفقا من عندنا باليقين والعرفان، معدودا عن عداد السعداء في حضرة علمنا ولوح قضائنا { و } ألا { يحق القول } ويجب الحكم منا بلحوق العذاب { على الكافرين } [يس: 70] المصرين على الكفر والعناد المائتين بموت الجهل والإ نكار.
Unknown page