Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
وإياك إياك أن تختلط مع أصحاب الغفلة وأرباب الثروة، المفتخرين بما عندهم من المال الجاه، والنسب العلي والحسب الذي يباهي صاحبه ويتفوق على أقرانه ويطلب الرئاسة والسيادة بسببه.
وإن أردت أن تجلس مع بني نوعك وتصاحب معهم، فاختر منهم من انقطع عن الدنيا وأمنايها، وتزهد عنها وما فيها، سوى سد جوعة وستر عورة وكن يحفظه عن البرد والحر، وصاحب معه مصاحبة الحائر التائه في بيداء، لا يدري أين طرفاها، متفكرين متدبرين للخروج منها، والنجاة عن أهوالها وأغوالها.
فلك أن تتذكر في عموم أوقاتك قوله صلى الله عليه وسلم، واجعله نصب عينيك في جميع حالاتك وهو:
" كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور ".
جعلنا الله ممن امتثل به، وتذكر وعمل بمقتضاه، ووجد في نفسه حلاوة معناه بفضله ولطفه.
[35 - سورة فاطر]
[35.1-4]
{ الحمد لله } المحيط المشتمل على جميع ما صدر عن ألسنة عموم المظاهر حالا ومقالا ثابت { فاطر السموت } أي: الذي فطر؛ أي: أظهر وأبدع الأجرام العلوية من كتم العدم بعدما شق وفلق ظلمته بأشعة نور الوجود، المنعكسة من الصفات الأسنى والأسماء الحسنى الإلهية { والأرض } أي: الأجسام أيضا كذلك؛ ليتحقق الفاعل والقابل ويتكون منهما من الكوائن والفواسد ما شاء الله بحوله وقوته { جاعل الملائكة } أي: الذي جعل الملائكة الذين هم سدنة سدته العلية وخدمة عتبته السنية { رسلا } أي: وسائل ووسائط بينه سبحانه وبين خواص عباده من الأنبياء والرسل والأولياء المؤيدين من عنده سبحانه بالرتبة العلية والدرجة الرفيعة، يبلغون إليهم من قبل الحق ما تفضل بهم سبحانه من الوحي المتعلق بخير الدارين ونفع النشأتين؛ ولذلك صيرهم سبحانه { أولي أجنحة } متعددة مفتاوتة يسرعون بها نحو مصلحة بعثهم الله إليها وأمرهم بتبليغها { مثنى وثلاث ورباع } أي: لبعضهم أجنجة انثني اثنين، ولبعضهم ثلاثة ثلاثة، ولبعضهم أربعة أربعة إلى ما شاء الله، بلا انحصار في عدد دون عدد، بل { يزيد } سبحانه { في الخلق } أي: في جميع مخلوقاته { ما يشآء } بلا حد وحصر؛ إذ لا ينتهي قدرته دون مقدور، بل له أن يتصرف فيه إلى مالا يتناهى، كما روي:
" أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمائة جناح ".
وهذا دليل على أن ذكر العدد ليس للحصر، فالآية تدل على أن له سبحانه أن يتصرف في ملكه وملكته كما شاء وكيف شاء ومتى شاء، فيجوز أن يخلق أنواعا لم يخلقها قبل من أي جنس كان، ويخلق أيضا في فردع نوع أمورا عجيبة من الملاحة والصباحة وحسن الصوت والصورة، وكمال العقل ورزانة الرأي، وخواص غريبة لم يخلقها قبل لأفراد أخر من هذا النوع.
Unknown page