Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
ثم فصلوا له العذاب وقالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السمآء } أي: عذابا ذا رجز؛ أي: قلقا واضطرابا يقلق المضطرب المعذب، ويضطربه اضطرابا شديدا حين نزوله { بما كانوا يفسقون } [العنكبوت: 34] اي: بفسقهم الذي باهوا به وتمادوا فيه مجاهرين مصرين.
{ ولقد } بعدما انتقمنا منهم وأخذناهم بفسقهم { تركنا } وأبقينا { منهآ } أي: من حكايتهم وقصتهم { آية بينة } أي: عبرة ظاهرة لائحة { لقوم يعقلون } [العنكبوت: 35] حتى يستعلموا عقولهم في مواضع العبر، ويتأملون فيها معتبرين منها مستبصرين بها، فاعتبروا يا أولي الأبصار، واعلموا أن الأبرار إنما يتميزون عن الأشرار بالاعتبار والاستبصار.
بصرنا الله بعيوب نفوسنا، وجعلنا من المعتبرين بعيوب الغير عند وجوده.
{ و } أرسلنا أيضا { إلى مدين } حين ظهر فيه الخيان في المكيلات والموزونات { أخاهم شعيبا } ليصلح ما فيهم من المفاسد { فقال } بعدما بعثناه إليهم مناديا لهم ليقبلوه ويطيعوا أمره: { يقوم } أضافهم إلى نفسه؛ لكمال العطف والشفقة وإمحاض النصح { اعبدوا الله } الواحد الأحد، الحقيق بالعبادة والإطاعة { وارجوا } من الله { اليوم الأخر } أي: ائتوا بالإيمان والإخلاص والعمل الصالح، راجين من الله الثواب في يوم الجزاء { و } عليكم أن { لا تعثوا في الأرض } ولا تتحركوا عليها حال كونكم { مفسدين } [العنكبوت: 36] لمصالح عباد الله وأمور معاشهم ومعادهم.
وبعدما سمعوا مقالتهم { فكذبوه } فجاءوا بتكذيبه بلا مبالاة له وبكلامه فاستحقوا المقت العظيم { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة الشديدة مع الصيحة الهائلة { فأصبحوا في دارهم } التي بنوها للحياة والمعاش { جاثمين } [العنكبوت: 37] مائتين هالكين باركين على ركبهم، ساقطين على وجوههم.
[29.38-40]
{ و } اذكر يا أكمل الرسل { عادا } المبالغين في الظلم والعدوان { وثمودا } المتجاوزين عن مقتضى حدود الله بالبغي والطغيان { وقد تبين لكم } وظهر عندكم ولاح عليكم أيها الناظرون المعتبرون عتوهم واستكبارهم { من مساكنهم } الرفيعة وحصونهم الحصينة المنيعة { و } ذلك بأنهم قوم { زين لهم الشيطان أعمالهم } وحسنها في نفوسهم فاستبدوا بها { فصدهم عن السبيل } أي: أعرضهم الشيطان بتزيين أعمالهم الفاسدة عن الصراط المستقيم والطريق المستبين { و } هم { كانوا مستبصرين } [العنكبوت: 38] متمكنين، قادرين على الاستبصار والاعتبار، فلم يعتبروا؛ إذ لم يسلب عنهم لوازم عقولهم، بل لبس عليهم الشيطان أفعالهم وحسن عندهم أعمالهم، فظنوا أنهم مهتدون وما كانوا مهتدين.
{ و } اذكر يا أكمل الرسل { قارون } المباهي بالمال والنسب على أهل عصره وزمانه { وفرعون } المستعلي بالسلطنة والملك إلى أن تفوه من غاية عتوه واستكباره بدعوى الألوهية لنفسه { وهامان } وزيره، قد تفوق على أقرانه وأهل زمانه بالثروة والجاه والنيابة الكاملة وعلو المكانة والمنزلة بين الأنام { و } من كمال تعنت هؤلاء المفسدين المسرفين واستعلائهم { لقد جآءهم موسى } بوحينا رسولا منا؛ ليهديهم إلى طريق الحق وصراط مستقيم، فكذبوه ولم يبالوا به وبكلامه مع كونه مؤيدا { بالبينات } القاطعة والمعجزات الساطعة { فاستكبروا في الأرض } على الله وعلى رسله وعموم عباده وانصرفوا عن مطلق أوامره ونواهيه منكرين وجوده وإرساله ووحيه عنادا ومكابرة { و } مع ذلك { ما كانوا سابقين } [العنكبوت: 39] بنا، حافظين نفوسهم عن إدراك عذابنا إياهم وانتقامنا منهم.
{ فكلا } منهم { أخذنا بذنبه } الذي صار علة لبطشه وانتقامه على مقتضى عدلنا، ثم فصل سبحانه أخذه إياهم بعدما أجمل، فقال: { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي: ريحا عاصفا فيها حصباء، رميناهم ورجمناهم بها كقوم لوط وعاد { ومنهم من أخذته الصيحة } الهائلة كثمود وأصحاب مدين { ومنهم من خسفنا به الأرض } كقارون وما معه من زخارفه التي هي سبب طغيانه وبغيه { ومنهم من أغرقنا } كقوم نوح وفرعون وهامان وجميع جنودهما { و } ما أخذنا كلا منهم إلا بذنوب عظيمة صدرت عنهم على سبيل الإصرار والاغترار؛ إذ { ما كان الله } المستوي على العدل القويم والطريق المستقيم وما صح عليه وحق له سبحانه { ليظلمهم } ويأخذهم بلا ذنب صدر عنهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [العنكبوت: 40] أي: هم كانوا يظلمون أنفسهم باستجلاب عذاب الله عليها بارتكاب أسبابه وموجباته، وعرضها على غضب الله بالخروج عن مقتضى أوامره ومنهياته، وما ذلك إلا من رسوخ التقليدات التخمينات في نفوسهم، واستقرار الرسوم والعادات في جبلتهم؛ لذلك أصروا بما هم عليه وانصرفوا عن سواء السبيل وكذبا الرسل الهادين إليه، وأنكروا عليهم عتوا واستكبارا، فهلكوا خسارا وبوارا.
[29.41-45]
Unknown page