273

Maʿālim al-tanzīl fī tafsīr al-Qurʾān = Tafsīr al-Baghawī

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي

Editor

حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش

Publisher

دار طيبة للنشر والتوزيع

Edition Number

الرابعة

Publication Year

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

لِلرِّجَالِ زِينَةً لَا يُنْكِرُهَا الشَّرْعُ ﴿بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وَالْإِحْدَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عَنِ الطَّلَاقِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَضَعَ مَا يُشَوِّقُ قَلْبَ الزَّوْجِ إِلَيْهَا لِيُرَاجِعَهَا، وَفِي الْبَائِنَةِ بِالْخُلْعِ وَالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي: لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أَيِ النِّسَاءِ الْمُعْتَدَّاتِ وَأَصْلُ التَّعْرِيضِ هُوَ التَّلْوِيحُ بِالشَّيْءِ، وَالتَّعْرِيضُ فِي الْكَلَامِ مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ مُبَاحٌ فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: رُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ، مَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ، إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، وَإِنَّكِ لَصَالِحَةٌ، وَإِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ، وَإِنِّي فيك لراغب، وإني مِنْ غَرَضِي أَنْ أَتَزَوَّجَ وَإِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ بِالْحَلَالِ أَعْجَبَنِي وَلَئِنْ تَزَوَّجْتُكِ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ أَنْكِحِينِي وَالْمَرْأَةُ تُجِيبُهُ بِمِثْلِهِ إِنْ رَغِبَتْ فِيهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُهْدِيَ لَهَا وَيَقُومَ بِشَغْلِهَا فِي الْعِدَّةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ شَأْنِهِ.
رُوِيَ أَنَّ سُكَيْنَةَ بِنْتَ حَنْظَلَةَ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ فِي عِدَّتِهَا وَقَالَ: يَا بِنْتَ حَنْظَلَةَ أَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتِ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَقَّ جَدِّي عَلَيَّ وَقِدَمِي فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَتْ سُكَيْنَةُ أَتَخْطُبُنِي وَأَنَا فِي الْعِدَّةِ وَأَنْتَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْبَرْتُكِ بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ فِي عِدَّةِ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَنْزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ ﷿ وَهُوَ مُتَحَامِلٌ عَلَى يَدِهِ حَتَّى أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ تَحَامُلِهِ عَلَى يَدِهِ (١) .
وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ جَائِزٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ الْحَيَاةِ نُظِرَ: إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لِمَنْ بَانَتْ مِنْهُ نِكَاحُهَا كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُبَانَةِ بِاللِّعَانِ وَالرَّضَاعِ: يَجُوزُ خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لِلزَّوْجِ نِكَاحُهَا كَالْمُخْتَلِعَةِ وَالْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا يَجُوزُ لِزَوْجِهَا خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا.
وَهَلْ يَجُوزُ لِلْغَيْرِ تَعْرِيضًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُعَاوَدَةَ لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ كَالرَّجْعِيَّةِ لَا يَجُوزُ لِلْغَيْرِ تَعْرِيضُهَا بِالْخِطْبَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الْخِطْبَةُ الْتِمَاسُ النِّكَاحِ وَهِيَ مَصْدَرُ خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ يَخْطُبُ خِطْبَةً، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْخِطْبَةُ الذِّكْرُ، وَالْخِطْبَةُ التَّشَهُّدُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مَنْ ذِكْرِ النِّسَاءَ عِنْدَهُنَّ، ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ أَضْمَرْتُمْ ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ نِكَاحَهُنَّ يُقَالُ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ وَكَنَنْتُهُ لُغَتَانِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَيْ أَخْفَيْتُهُ فِي نَفْسِي وَكَنَنْتُهُ سَتَرْتُهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ أَنْ يَدْخُلَ فَيُسَلِّمَ وَيُهْدِيَ إِنْ

(١) أخرجه ابن المبارك في كتاب النكاح، راه الدارقطني من رواية محمد بن الصلت عن عبد الرحمن بن سليمان، وهو ابن الغسيل انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص٢١.

1 / 282