Tafkir Cilmi
التفكير العلمي ومستجدات الواقع المعاصر
Genres
ومن ناحية أخرى، اعترض لاكاتوش على بوبر بشأن التقدم العلمي؛ فقد أكد بوبر على اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة. وعد ذلك مسألة جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة؛ فالذي لا شك فيه أنه لا يمكن أن يقرر أحد إذا كانت نظرية جسورة مهما كانت، وذلك عن طريق اختيارها على انفصال، لكن فقط عن طريق اختبارها في ضوء سياقها المنهجي التاريخي.
69
وهذا معناه أنه إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد عمومية النظرية العلمية، مع وضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية السابقة عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد على أن أي نظرية تتمثل وتولد في خضم هائل من التناقضات؛ ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري العلمي. وطبقا لذلك رأى لاكاتوش أن أي برنامج بحث يتألف من قواعد منهجية؛ حيث إن البعض منها يخبرنا بطرق البحث تجنبا للموقف السلبي، والبعض الآخر يوضح لنا طرق تبني الموجه المساعد على الكشف السلبي أو الإيجابي. بيد أن الموجه السلبي لبرنامج البحث دائما ما يعزل النواة الصلبة للقضايا التي لا تعرض للتكذيب، وهذه القضايا يتم التوافق عليها اصطلاحا؛ ومن ثم فهي غير قابلة للتفنيد عن طريق برنامج البحث. أما الموجه الإيجابي فيعد بمثابة استراتيجية لبناء سلسلة من النظريات والاقتراحات الإجرائية للتعامل مع الشواذ المتوقعة. وبينما يتضح برنامج البحث، نجد أن حزاما واقيا من الفروض المساعدة يلتف حول النواة الصلبة.
70
ويعطينا «لاكاتوش» مثالا على ذلك من برنامج البحث النيوتوني؛ حيث يلاحظ أن النواة الصلبة لهذا البرنامج تتمثل في الجاذبية، وأنه لا شك في أن بين النواة والظواهر الحزام الواقي من الفروض المساعدة التي تحتك بالاختبار والتكذيب. ومن هنا قبل الحزام الواقي التعديل والتطوير ليحمي النواة، وهذا التطوير يتم بناء على الموجه الإيجابي المساعد على الكشف؛ أي إننا حين اكتشفنا أن كوكب أورانوس لا يتفق مع التنبؤات الخاصة بنظرية نيوتن لم نستنتج من هذا أن النظرية كاذبة، بل على العكس، فالنظرية أو برنامج البحث النيوتوني عامة لا يزال تقدميا. وبعد فترة من الزمن أصبح هذا البرنامج متفسخا ومتدهورا لظهور برنامج آخر، وهو لأينشتين الذي فسر حركة الكوكب عطارد التي لم يستطع برنامج نيوتن حلها. هذا فضلا عن أن برنامج أينشتين قد تنبأ بانحراف الأشعة الآتية من النجوم تحت تأثير مجال الجاذبية.
71
فاختبار أي برنامج يعول مباشرة على الحزام الواقي للفروض المساعدة. ومن هنا أكد «لاكاتوش» أن أي نتيجة اختبار سالبة مفردة لا تفند برنامج البحث ككل؛ الأمر الذي جعله ينتقد «بوبر» عندما عول على أهمية النتائج السلبية؛ حيث إن وجود أي نتيجة اختبار سلبية، إنما هي استراتيجية مثمرة لتعديل الحزام الواقي للفروض المساعدة ليعدل أو يسوي الشاذ.
72
وعلى هذا رفض «لاكاتوش» أن يكون نمو العلم مجرد واقعة نافية أو بينة تجريبية معارضة تكذب نظرية على حدة بصورة مستقلة، ليتم رفضها هي فقط في حد ذاتها ويستبدل أخرى تعرض بدورها على محكمة التجريب! وهنا يؤيد لاكاتوش بيير دوهيم، لا سيما عندما رأى أن المعقبات أو النواتج التي تلزم الفرض العلمي الجديد، والتي تكون محكمة للتجريب لا تخص الجديد وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض.
73
Unknown page