115

Tafkir Cilmi

التفكير العلمي ومستجدات الواقع المعاصر

Genres

ويستفيض «سنو» في حديثه عن هذه الهوة التي تفصل بين الأدباء والعلماء، فيقول: «يوجد بين المجموعتين ثغرة واسعة من انعدام الفهم المتبادل. ويوجد أحيانا (خاصة بين الشباب) عداء ونفور، على أنه يوجد فوق كل شيء انعدام للفهم. أفراد كل مجموعة لديهم صورة غريبة مشوهة عن أفراد الأخرى. وتختلف مواقف أفراد كل مجموعة إلى درجة أنه حتى على المستوى الوجداني لا يستطيعون أن يجدوا الكثير من الأرض المشتركة. ينحو غير العلماء إلى التفكير على أن فيهم وقاحة وتبجحا.»

18

ويعمل «سنو» على إقامة جسر ليصل ما انقطع من أسباب الوصل بين أصحاب هاتين الثقافتين اللتين آل أمرهما إلى الانفصال التام، ورغبة منه في التوفيق بين هاتين الثقافتين. ويقترح «سنو» على بني جلدته الإنجليز إعادة النظر في برنامجهم التعليمي بقصد تخريج أدباء يلمون بقدر من المعرفة العلمية والأدبية. والرأي عنده أن الأدباء يجهلون أبسط الحقائق العلمية فهم يعجزون عن تعريف أبسط مصطلحات العلم؛ مثل الكتلة والسرعة والقانون الثاني للديناميكا الحرارية. ويتهم «سنو» معظم المشتغلين بالفنون والآداب في القرن العشرين مثل «بيتس» و«إزرا باوند» و«ويندهام لويس» بالرجعية، ويصفهم بأنهم «ليسوا كلهم حمقى سياسيا، بل أشرار سياسيا».

19

ولكن «سنو» لا يلقي تبعة الهوة الثقافية على الأدباء وحدهم؛ فنصيب العلماء من المسئولية لا يقل عن نصيب المشتغلين بالفنون والآداب. ويقول سنو: «إن خيبة الأمل تصيبه عندما يجد أن معظم العلماء لا يفقهون شيئا من أعمال ديكنز الأدبية.»

20

ولم يكتف «سنو» بذلك، بل يستطرد فيقول: «... على أنه لا ريب في أنهم عندما يقرءون ديكنز، بل عندما يقرءون كل كاتب تقريبا ممن ينبغي أن نقدرهم، فإنهم يكتفون لا غير بإيماءة عن بعد بتحية رسمية؛ فهم لديهم ثقافتهم الخاصة، ثقافة مكثفة، صارمة ودائمة في فعل نشط. تحوي هذه الثقافة قدرا من المناقشات فيها عادة دقة وصرامة أكثر كثيرا مما في مناقشات أفراد الأدب.»

21

الكارثة إذن أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرءون الأدب أو التاريخ مثلا، وأفراد الثقافة الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين العلمية حتى أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع، ومثل هذا الكلام يجب أن يطلع عليه المثقفون من الفئتين. وهنا يشير «سنو» إلى الانفصال بين الثقافتين الذي من شأنه أن يضر بالمجتمع؛ ذلك أن الثقافتين كلتيهما من ضروريات تقدم الأمم محليا وعالميا، وأن استمرار هذا الانفصال يعوق كثيرا من تقدم المجتمع، ورفاهية الإنسان عموما، فالكتاب يفضح ما يفعله المثقفون من الجانبين. نعرف أن معظم مثقفينا التقليديين، لا يقرءون إلا في الأدب أو التاريخ، أو كل ما يخص العلوم الإنسانية، ولا يقتربون من العلوم الطبيعية إطلاقا. وقد يتباهى البعض بأنه يعرف علم النفس أو القليل من الفيزياء. وعن هذا يقول سنو: «لدينا مجموعتان مستقطبتان؛ هناك عند أحد القطبين مثقفو الأدب، وهؤلاء فيما يعرض أخذوا في غفلة من الأنظار يشيرون لأنفسهم على أنهم المثقفون»، وكأنه لا يوجد مثقفون غيرهم. ولتوضيح رأيه، أشار «سنو» إلى استخدامنا إلى كلمة

intellectual

Unknown page