وينشرهما ويفك ألغازهما ويضمهما معا،
بين منتصف الليل والفجر، حيث الماضي خداع كله،
والمستقبل لا مستقبل له.»
ت. س. إليوت
يذهب ماركوس إلى أن المرء لا يملك في حقيقة الأمر إلا اللحظة الحاضرة؛ لأن ما عداها هو إما ماض ذهب أو مستقبل غير معلوم وغير مضمون. ينتج عن ذلك أن المرء لا يمكن أن يخسر إلا هذه اللحظة التي في يده؛ لأنه لا يملك شيئا آخر حتى يخسره! «حين تتكدر في أي ظرف فقد نسيت ... أن كلا منا لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة ولا يفقد إلا إياها» (12-26).
يترتب على ذلك أمور كثيرة ينبغي أن نلتفت إليها؛ أولها أننا يجب ألا نسوف الخير، ويجب أن ننصرف إلى اللحظة الحاضرة ولا نكدرها بأطياف مشاهد مضت، ولا بهواجس أمور تأتي ولا تأتي. «انصرف إلى المسألة التي أمامك، سواء أكانت رأيا أم عملا أم كلمة. إنك تستحق ما أنت فيه؛ لأنك اخترت أن تكون صالحا غدا لا أن تكون صالحا اليوم» (8-22).
ويترتب على ذلك أن الشهرة والمجد وخلود الذكر أوهام لا وجود لها: «اذكر أن كلا منا لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة، وما أضألها في الزمن، وأن كل ما سواها من العمر هو إما ماض غير عائد وإما مستقبل غير معلوم» (3-10).
ويترتب عليه أن عبء اللحظة الحاضرة هو العبء الوحيد الذي ينبغي أن نحمله، وينبغي ألا نثقله بما ليس منه: «لا تزعج نفسك بالتأمل في المشهد الكلي لحياتك، لا تدع فكرك يضم في آن معا كل ما أزعجك فيما مضى وكل ما يمكن أن يزعجك فيما بعد، بل اسأل نفسك في كل ظرف حاضر: «أي شيء في هذا يفوق احتمالي وينوء بي؟» ولسوف تخجل من مثل هذا الإقرار. ثم ذكر نفسك أنه لا المستقبل ولا الماضي هو ما يثقل عليك، بل الحاضر وحده. وكم يهون عبء الحاضر إذا أمكنك فقط أن تحدده وتضعه في حجمه، وأن توبخ عقلك إذا كان يكل عن الصمود لشيء مخفف كل هذا التخفيف» (8-36). (17) طول الحياة غير فارق
ويترتب على ذلك أيضا أن طول الحياة غير فارق ما دمنا لا نملك إلا اللحظة الضئيلة الحاضرة ولا نخسر إلا إياها: «حتى لو قدر لك أن تعيش ثلاثة آلاف عام، أو عشرة أضعاف ذلك، فاذكر دائما أن لا أحد يفقد أي حياة غير تلك التي يحياها، أو يحيا أي حياة غير تلك التي يفقدها. ينتج من ذلك أن أطول حياة وأقصرها سيان؛ فاللحظة الحاضرة واحدة في الجميع؛ ومن ثم فإن ما ينقضي متساو أيضا. يتبين إذن أن الفقدان إنما هو فقدان لحظة لا أكثر؛ ذلك أن المرء لا يمكن أن يفقد الماضي ولا المستقبل؛ فكيف يمكن أن يسلب ما ليس يملك؟! تذكر إذن هذين الشيئين؛ أن الأشياء جميعا هي ما هي منذ الأزل، تبدأ وتعود دواليك، وسيان أن يرى المرء نفس المشهد لمائة عام أو مائتين أو ما لا نهاية من الأعوام. وأن ما يسلب من المعمر هو ما يسلب من أقصر الناس عمرا؛ فليس غير اللحظة الحاضرة ما يمكن أن يسلب من الإنسان. فإذا صح أن هذه اللحظة هي كل ما يملكه فمن غير الممكن أن يفقد ما ليس يملك» (2-14).
ينبغي إذن أن يتخلص الإنسان من هاجس التشبث بالحياة وكأن امتداد الأجل عاما أو أعواما يمكن أن يحدث أي فارق. «كما لو أن إلها أخبرك أنك ستموت غدا أو بعد غد على الأكثر فلم تعلق أهمية على فرق يوم واحد ... كذلك ينبغي عليك ألا تتصور فارقا يذكر بين أن تموت بعد سنين طويلة وأن تموت غدا» (4-47). «استعرض في ذهنك قائمة بأولئك الذين تشبثوا بالحياة فترة طويلة، ماذا ربحوا من ذلك أكثر مما ربح من مات مبكرا؟ من المؤكد أنهم يرقدون الآن جميعا في قبورهم ... انظر إلى هول فجوة الماضي من ورائك وإلى اللانهاية الأخرى من أمامك. ما الفرق من هذا المنظور بين رضيع عاش ثلاثة أيام ونسطور عاش ثلاثة أجيال؟» (4-50)، «كل ما تراه سوف يزول سريعا، وأولئك الذين يشهدون زواله سوف يزولون هم أنفسهم. مت في أرذل العمر أو مت قبل أوان موتك ... كلاهما سيان» (9-33)، «ما من نشاط يضيره أن يتوقف ما دام توقف في الوقت المناسب، ولا فاعله يضيره شيئا أن هذا النشاط المعين قد توقف. وعلى ذلك فإذا بلغت جملة أفعاله، التي تشكل حياته، نهايتها في الوقت المناسب فلا ضير عليها من مجرد التوقف، ولا ضير على من ختم هذه السلسلة من الأفعال في الوقت المناسب. أما الوقت والأجل فتحددهما الطبيعة؛ طبيعة الإنسان أحيانا كما في الشيخوخة، وطبيعة العالم في كل الأحيان، والتي من خلال التغيير الدائم لأجزائها المكونة تبقي العالم كله صبيا وعفيا. وكل ما ينفع العالم فهو حسن وفي إبانه؛ لذا فلا بأس على الإطلاق بأن تنتهي حياة كل منا؛ فلا النهاية عيب ولا اختيار ولا هي ضد الصالح العام، بل هي خير؛ إذ تقع في التوقيت الملائم ل «الكل»، وتصب في صالحه، وتنسجم معه. فكذلك أيضا يمشي المرء بعون الرب إذا مضى باختياره ووجهته على طريق الرب» (12-23). «فلتأخذ دورك» في الفناء ولا تنخذل، مت بحرية على أقل تقدير! «حبات بخور كثيرة على نفس المذبح، إحداها تسقط أولا، الأخرى لاحقا ... لا فرق» (4-15). (18) لا جديد تحت الشمس
Unknown page