وندع لسن ياتسن نفسه تفصيل رحلاته وحركاته فيما ترجمناه من كلامه في الفصل الأخير من هذا الكتاب، ونكتفي بالإشارة المجملة إلى المخاطر التي أفلت منها والمخاطر التي لاحقته إلى ديار الغربة من اليابان إلى أمريكا إلى إنجلترا إلى القارة الأوروبية، وجملتها في كلمات موجزة أن حكومة بكين رصدت ثلاثين ألف جنيه لمن يقتله حيث كان، وأن سفارات الصين لم يكن لها من عمل تتقرب به إلى العرش إلا أن تراقبه وتتعقبه وتنسج الشباك لاصطياده، وتبلغ أخباره وكلماته حرفا حرفا ويوما بعد يوم إلى حكومة بكين ...
إن الرقمين اللذين جعلناهما عنوانا لهذا الفصل يحدان وقت الدعوة العامة إلى الثورة في سيرة سن ياتسن، ولكنهما لا يحدان وقت المخاطرة والمجازفة في تلك السيرة التي اقترن فيها الحساب الدقيق والمصادفة العجيبة أيما اقتران.
فإن الرجل قد استهدف للخطر وهو يافع متهم في قريته بالاجتراء على شعائر قومه، فلم يأمن البقاء فيها وفارقها على عجل إلى كانتون، وقد استهدف للخطر مرات بعد إعلان الجمهورية بسنوات.
وفي جميع هذه المخاطر كان الفضل في نجاته يرجع يوما إلى يقظته، ويوما إلى حيلته، وربما رجع إلى خبرته بالملاكمة التي أغراه بالتدريب عليها شيوع الثورة المعروفة باسم ثورة الملاكمين، وربما رجع الفضل في نجاته إلى قوة تأثيره وقدرته على الإقناع.
غير أن المصادفة وحدها هي التي أنقذته من أكبر أخطاره، وهو خطر الاعتقال في السفارة الصينية بلندن في شهر أكتوبر سنة 1896.
كان يزور واشنطن فنمي إليه أن سفارتها الصينية ترصد الكمائن لاقتناصه، فبرحها إلى لندن باسم مستعار، ولم تمض أيام حتى علمت سفارة لندن بوجوده ونصبت شباكها حوله، وليس أيسر من نصب الشباك حول رجل يريد أن يلقى في العاصمة الإنجليزية كل صيني يتمكن من لقائه، ولا عمل له غير نشر الدعوة بين هؤلاء الصينيين.
وإنه ليسير ذات يوم في طريقه؛ إذ اقترب منه شابان صينيان وسأله أحدهما: أمن اليابان أنت أم من الصين؟ فلما قال له: إنه صيني من كانتون واستمع إلى لهجته الكانتونية أصغى إليه وطفق يسأله عن أحواله وأحوال إخوانه، وخطر له أنها فرصة ملائمة لتأليف لجنة من لجان الدعوة الثورية، فاسترسل مع الشابين حتى بلغا قصرا كبيرا فتح بابه فجأة واندفعت منه شرذمة من الخدم والسعاة جذبوه إلى داخل القصر، وحبسوه في حجرة من حجراته، وتركوه هناك لا يزوره غير خادم يحضر له الطعام وحارس يتفقده من ساعة إلى ساعة، ومضى عليه أحد عشر يوما وهو بهذه الحال يسمع كل يوم إن وقت الفرج قريب!
وأسعفته قدرته على التأثير فاستطاع أن يقنع أحد الحراس بتبليغ رسالة صغيرة إلى صاحب العنوان المكتوب عليها، وهو السير جيمس كانتلي
Cantlie
أستاذه القديم، فبر الحارس بوعده ورمى بالرسالة وراء الباب وطرقه طرقا عنيفا وتوارى في منعطفات الدروب.
Unknown page