وقد سألنا في أول هذا الفصل: ترى ماذا كان في استطاعة سن ياتسن أن يصنعه لو أنه ولد قبل مولده بعشرين سنة، أو قضى شبابه في قرى الصين المنعزلة بين شمالها ومغربها، أو تعلم على الطريقة التقليدية التي لا تؤهله لقيادة دعوة يتصدى لها المثقفون وذوو الآراء المتجددة؟
ومن يسأل هذه الأسئلة خليق أن يسأل معها: ترى ماذا كان في وسع زعيم غير ياتسن أن يصنع في قيادة تلك الدعوة إن لم يكن له صفاته ومزاياه؟
لا شيء! ولو كان في وسع أحد غيره أن يغلبه على القيادة لغلبه عليها في مبدأ الأمر على الخصوص، قبل أن يضفي عليه النجاح سرابيل الهيبة والقداسة.
إن المزية الكبرى التي وهبها سن ياتسن ليست من المزايا التي توهب لكل إنسان.
وتلك المزية هي القدرة البالغة على التأثير والإقناع طواعية بغير كلفة أو هي بعبارة أوضح وأصدق أنه كان يملك الثقة ويعطيها، وهي خصلة واحدة تجتمع فيها خصال شتى، يصعب إحصاؤها، بل يصعب إدراكها بارزة على وجه الأمور.
كان في شبابه يراجع بعض الكتب بالمتحف البريطاني فالتقى بفئة من الثوار الروس - منهم ششرين - ولعل منهم لينين - وسألهم عن غاية رجائهم من جهادهم ... ثم قال لهم: إنه يرجو أن تحقق الثورة الصينية غايتها خلال ثلاثين سنة ... فتهافت الروس متعجبين: أفي ثلاثين سنة تحقق غايتك؟ لو تحققت غاية ثورتنا بعد مائة سنة لكان هذا قصارى ما نتمناه، وها نحن أولاء نجاهد من الآن!
قال جرين صاحب كتاب قصة ثورة الصين - وليس هو من الأسخياء بالثناء عليه: «إن شخصية سن ياتسن لا تجحد، وهو أطول من عامة أهل الصين، يوحي إليك منظره قوة الكيان ... ويلقي في روعك أنك أمام رجل لديه ذخيرة من القدرة غير التي تلمحها عليه لأول نظرة؛ أهي قدرة الخلق أو العزيمة أو المغناطيسية لا تدري، ولكنها ولا شك هي القدرة التي أتاحت له أن يلعب بالجماهير من أبناء وطنه كما يشاء.»
ومن الكتاب الذين لا يسخون بالثناء عليه كذلك لاتوريت
Latowrette
صاحب كتاب «الصينيين: تاريخهم وثقافتهم» وقد وصفه فقال: «إنه كان داعية ناجحا جد النجاح، وكان مثاليا على خلاف طلاب المغانم من زعماء عصره العسكريين، وكان مع اطلاعه الواسع على ثقافة الغرب والصين خبيرا بالمجتمع فيلسوفا في المسائل الاجتماعية، يحلم بالطوبى على المثال الأوفى، وآراؤه التي يقترحها لتجديد بلاده لا تخلو من الإغراب وما لا يصلح للتطبيق، ولكنها لا تخلو كذلك من نفحة العبقرية، وللرجل خاصة تجذب إليه الآخرين لم يوجد من يضارعه في سلطانه على خيال الناشئة من قومه، وله قدرة خارقة على الإيحاء وتنظيم الحركة الثورية، أما الإدارة الحكومية فقد كان فيها بين الإخفاق.»
Unknown page