وأعقبها صياح تهليل من جميع الأركان كصياح الأطفال عقب مدافع الأعياد. وضج المكان وما حوله بحركة ما لها من آخر، صفقات أبواب ونوافذ، هدير كلام عصبي، ثم تتابع انصراف المنحشرين في القبو. وقال كمال وهو يتنهد: فلنعد ..
وضع الأب ذراعا على كتف كمال والأخرى على كتف الأم وسار بينهما خطوة خطوة. وبدءوا يتساءلون عن الرجل، كيف هو، وماذا أصابه إثر مغامرته الخطيرة. غير أن الأب توقف عن المشي وهو يقول بصوت ضعيف: أشعر بأنني يجب أن أجلس ..
فقال له كمال: دعني أحملك ..
فقال في إعياء: لن تستطيع ..
ولكن كمال أحاطه بذراع من وراء ظهره ووضع الأخرى تحت ساقيه، ورفعه. لم يكن حملا خفيفا ولكن ما بقي من أبيه كان على أي حال هينا. وسار في بطء شديد، والآخرون يتبعونه مشفقين، وانتحبت عائشة فجأة فقال الأب بصوت متعب: لا داعي للفضيحة!
فكتمت فاها بيدها. ولما بلغوا البيت عاونت أم حنفي في حمل السيد، فصعدا به السلم على مهل وحذر. وكان مستسلما ولكن همهمته الاستغفارية المتواصلة نمت عن حزنه وضيقه، حتى طرحاه بعناية على فراشه. ولما أضيء نور الحجرة بدا وجه الأب شديد الشحوب كأن الجهد قد استصفى دمه، وكان صدره يعلو وينخفض بعنف، فأغمض عينيه إعياء، ثم راح يتأوه، ويتأوه، ولكنه غالب ألمه حتى استطاع أخيرا أن يلوذ بالصمت. وكان الجميع يقفون صفا بإزاء فراشه ويتطلعون إليه في وجل وإشفاق، وأخيرا تساءلت أمينة بصوت متهدج: سيدي بخير؟
ففتح عينيه، وجعل ينظر في الوجوه مليا، وبدا لحظات كأنه لا يعرفها، ثم تنهد وقال بصوت لا يكاد يسمع: الحمد لله .. - نم يا سيدي، نم كي تستريح ..
وترامى إليهم رنين الجرس الخارجي فمضت أم حنفي لتفتح الباب. وتبادلوا نظرات متسائلة فقال كمال: لعل أحدا من السكرية أو قصر الشوق قد جاء ليطمئن علينا!
وصدق حدسه؛ فما لبث أن دخل الحجرة عبد المنعم وأحمد ثم تبعهما ياسين ورضوان فأقبلوا على فراش الأب وهم يحيون الموجودين، فوجه إليهم الرجل نظرات فاترة، وكأن الكلام لم يسعفه فاكتفى برفع يده النحيلة تحية، وقص عليهم كمال في اقتضاب ما عاناه والده في ليلته المزعجة، ثم قالت أمينة همسا: ليلة فظيعة ربنا لا يعيدها ..
وقالت أم حنفي: الحركة أتعبته قليلا ولكنه سيسترد بالراحة عافيته ..
Unknown page