إنه شيء قذر بالطبع، فالحب كله لهما وحدهما ولا شيء لي.
إني عائدة من زيارة أقارب لي يسكنون بمختلف أنحاء المدينة، هؤلاء الناس أشعر أني مرتبطة بهم بعلاقات عاطفة قوية، قوية بدرجة تفوق الوصف؛ لدرجة أني أفزع من فكرة موت أحدهم كفزعي من موتي، لكني لا أستطيع أن أقول لهم شيئا وليس بيدهم ما يفعلونه لي. عندما ذهبت لزيارتهم أخذوني برحلة صيد، وذهبنا للعشاء بالخارج والاستمتاع بالمنظر من المباني العالية، ماذا من الممكن أن يفعلوه أكثر من ذلك؟ بالطبع لن يسرهم أن يسمعوا أخبارا سيئة عني، إنهم يقدرونني لمزاجي المبتهج، وحسن مظهري، ونجاحي المتواضع والملموس بنفس الوقت - لقد قمت بترجمة مجموعة من القصص القصيرة وبعض كتب الأطفال من الفرنسية إلى الإنجليزية، وبإمكانهم الذهاب إلى المكتبة ورؤية اسمي على أغلفة الكتب - ولأني الأكبر سنا فيهم والأقل حظا، تحديدا، أشعر أنه لزام علي أن أمنحهم تلك الأشياء. حظي وسعادتي هما جانب واحد من بين المؤشرات القليلة التي تؤكد لهم أن الحياة ليست كلها مساوئ.
الكثير من الأقرباء، والكثير من الزيارات.
هب أني عدت إلى المنزل، وكان كلاهما هناك، هب أني دخلت لأجدهما على السرير، بالضبط مثل ما يروى في بريد المعذبات بالجريدة (التي أنوي ألا أضحك منه مرة أخرى)، كيف سيكون شعوري؟ سأذهب إلى الدولاب وأحضر باقي ملابسي وأحزم حقائبي، وأتحدث بمنتهى الدبلوماسية مع من بالسرير قائلة: «هل تودان احتساء بعض من القهوة؟ أتخيل أنكما تحتاجان إليها من فرط تعبكما.»
أقول ذلك لأجعلهما يضحكان، لأجعلهما يضحكان كأن شيئا لم يكن، وكأنهما يمدان يديهما لي ليدعواني للجلوس، للجلوس معهما على السرير.
في تصور آخر، ربما أذهب إلى غرفة النوم، ودون أن أنبس ببنت شفة ألتقط كل ما أجده أمامي - زهرية، زجاجة مرطب، صورة من على الحائط، حذاء، ملابس، الكاسيت الخاص بهيو - وأقذف بتلك الأشياء على السرير، والشباك، والجدران، ثم أقتلع الشراشف وأمزقها إربا إربا، وأرفس مرتبة السرير وأنا أصرخ، ثم أنهال على وجهيهما بالصفعات، وأضرب جسديهما العاريين بفرشاة الشعر، كما فعلت الزوجة في رواية «أرض الله الصغيرة»؛ تلك الرواية التي قرأت منها عاليا إلى هيو بنبرة كوميدية، أثناء رحلة طويلة بالسيارة عبر البراري طوقنا فيها الغبار.
ربما حكينا لها عن ذلك، وتفاخرنا أمامها بكثير من المداعبات التي كانت تحدث بيننا أثناء المغازلة، أو حتى بشهر العسل، بينما يظهر على وجهها علامات الإعجاب والتعطش لسماع المزيد؛ كنت أنا أتباهى بذلك، أما عن هيو، فليس لدي أدنى فكرة عما كان يشعر به أو يقصده من ذلك.
رغما عني أصدرت صرخة قوية تعبيرا عن احتجاجي.
وضعت يدي أمام فمي المفتوح، ولأوقف الألم عضضتها، عضضت يدي. نهضت وذهبت باتجاه الحوض لأنضح وجهي بالماء، ووضعت بعضا من أحمر الخدود ومشطت شعري وضبطت حواجبي، وذهبت خارجة.
تسمى العربات بالقطار بأسماء مشاهير المكتشفين، أو بأسماء الجبال أو البحيرات. غالبا ما كنت أسافر بالقطار عندما كان أبنائي صغارا، وكنت أنا وهيو فقراء؛ حيث كان القطار يسمح للأطفال دون السادسة بالركوب بالمجان. أتذكر تلك الأسماء المكتوبة على الأبواب الثقيلة، وأتذكر كيف كنت أدفع الأبواب وأظل ممسكة بها بينما أستحث أبنائي الأشقياء والمتدافعين على المرور منها، كنت دائما أتنقل متوترة بين العربات كأن الأطفال سيسقطون بطريقة ما، رغم علمي بأن هذا لن يحدث. كان علي أن أنام بالقرب منهم ليلا وأجلس معهم نهارا وهم يقفزون حولي أو علي، لدرجة أنني كنت أشعر أن جسدي مهروس تحت أقدامهم وأكواعهم وركبهم. وكنت أفكر كم هو جميل أن تسافر المرأة وحدها، ليكون بمقدورها احتساء القهوة بعد تناول الوجبات دون قلق وهي لا تفعل شيئا سوى النظر من النافذة، وتستطيع الذهاب إلى عربة الطعام وتناول شراب. الآن واحدة من بناتي تسافر متطفلة في أوروبا، والأخرى مرشدة بمعسكر للأطفال المعاقين، وكل الوقت الذي ضاع في الاهتمام والفوضى - والذي كنت أتخيل أنه لن ينتهي - أصبح وكأنه لم يكن من الأساس.
Unknown page