Sirat Muluk Tabacina
سيرة الملوك التباعنة: في ثلاثين فصلا
Genres
بل إن طموحها كثيرا ما تجاوز طموحه، وهو الملك الحاكم للحبشة والسودان وأفريقيا الوسطى. - حذار من سحر الكلمات.
فهي - قمرية - التي تتقن عن دراية العربية ولهجاتها المختلفة بدءا من الجعزية - لهجة حضرموت - التي سبق لليمنيين نشرها بالحبشة، مرورا بالآرامية، والقحطانية والحميرية والمعينية والسبئية، وهي لغات أولئك الأعراب الغزاة، بالإضافة إلى معرفتها ببقية اللهجات الأفريقية، من نيجرية وأمهرية وهررية.
وفي صبيحة اليوم التالي لاجتماع الملك أرعد بقمرية، كان قد أعد كل شيء ببالغ السرية والكتمان، ما بين قوافل الهدايا والعبيد والرسائل التي ستحملها الجارية - السفيرة قمرية - إلى حيث قصر الملك ذو اليزن بمدينته «أحمرا»، من قبل ملك الحبشة «سيف أرعد».
إلا أن قمرية لم يكن يغيب عليها عقد لقاء أكثر سرية بينها وبين الوزير «أبو ريفة» لاستجلاء أمر مهمتها هذه المحفوفة بالمخاطر.
وهنا لم يقصر الوزير - الحجازي - الحكيم، كلامه معها عند التحذير والنصائح، بل دعاها إلى الثقة عن يقين حقيقي بالملك ذو اليزن، لدرجة دفعت بالجارية - المغتالة أو المحتالة في ذات الوقت - إلى التروي مفكرة منبهرة من عمق تفكير ذلك الملك وسماحته، مما دفع بها دفعا إلى التعجيل بمهمتها. - فقط لكي أراه عن قرب، فلقد أصبحت مبهورة بما أسمعه عنه.
حتى إذا ما حان موعد الرحيل، ظلت طيلة الطريق الوعر الذي استغرق أياما، غارقة بكاملها في تصور شخصية وحضور ذلك الملك الباهر، الذي - وكما يشاع عنه - لم يقهر مظلوما، أو يقف في صف الظلم والتسلط، ولم يكن يوما من الضاربين أو الباطشين، رغم ما عرف عن أسلافه التباعنة من ظلم وتجبر.
حتى إذا ما حطت قافلتها مشرفة على عاصمة التبع، العالية الأسوار وذات الأبراج والحصون والقصور، ورأت أنهارها الجارية وبساتينها وقبابها، تمنت الجارية، وبعدما استراحت نفسها، أن تقضي بقية حياتها هنا في أحمرا. - يا للروعة! يا للبهاء!
بدت المدينة العالية الأبراج والحصون، التي صيغت قبابها من النحاس الأحمر القاني الاحمرار، في نظر قمرية، كمثل مدن الأساطير القديمة الغابرة التي سمعتها تروى على الشفاه.
وظهر لعينيها الذكيتين كل شيء متناسقا: ألوان الواجهات الناصعة البياض والرسوم الجدارية التي تفيض تعبيرا عن مراحل حياة الملك التبع ذو اليزن والنقوش العربية المدونة على أصلب الأحجار والمعادن والجلود التي تزين الساحات والميادين والبساتين ودور العلم والأعلام، والأسواق الخاصة بكل ما تشتهيه الأنفس، من فاخر الديباج مثل أرجوان صور ونفائس فارس والهند، وتلك الحلي الذهبية والفضية التي تزين جيد النساء، مع أزيائهن الموشاة النفيسة.
كانت قمرية قد وصل بها الانبهار من مشاهد الحياة اليومية ل «أحمرا»، إلى حد دفع بها إلى استعادة حلمها القديم من الثراء والتملك الذي لا يعرف له حد. - أحمرا، يا حلمي القديم!
Unknown page