Sirat Muluk Tabacina
سيرة الملوك التباعنة: في ثلاثين فصلا
Genres
وكانت مدينة ذلك الملك يقع نصفها في البحر ونصفها الآخر في البر، وكانت حصينة مترامية الأطراف، فيها القلاع والموانئ والمنشآت البحرية ومصانع صنع مختلف الأسلحة التي اشتهرت بها في كل بلدان أفريقيا، التي لم تكن لتهدأ لها حروب ومنازعات، مما جعل تجارة الأسلحة رائجة وضاعف من ثراء مدينة الملك سيف أرعد التي اشتهرت أيضا بزرع الفتن بين أقوام القارة السوداء المترامية الأطراف.
وكان ملك الأحباش الذي يرفل في الذهب الإبريز ومعه كبار تجار المدينة لا هم لهم سوى الثراء، بغض النظر عن كيفية الحصول عليه، أما أن تصل الغفلة بالجميع إلى حد أن ينزل بلادهم وتخومهم بدو عرب المشرق وتبعهم واسع الشهرة والعلم والشكيمة ذو اليزن، فتلك كارثة الكوارث ولا شك، والأدهى أن يجيء نزولهم على هذا النحو، بلا حرب أو معارك أو قتال أو مقاومة، إلى أن يهنأ لهم البال فيشيدوا مدنهم وحصونهم، وها هي «أحمرا» عاصمة التبع، أصبحت تجتذب، عاما بعد عام، كل الأنظار المتطلعة لمصنوعاتها ومنتجاتها ومبانيها وأنهارها وبساتينها. - إلى هذا الحد تصل الغفلة بالجميع؟
أهكذا نصل متأخرين جدا على الدوام، وبعدما نفذ السهم ليفت من مقتلنا جميعا الصغير قبل الكبير، دون استثناء؟
وحاول بعض الحاضرين تهدئة ثائرة الملك سيف أرعد، بحجة أن التبع اليمني لم يرفع سلاحا ضد أحد.
عاود الملك صراخه: تلك هي الكارثة كل الكارثة.
وتدافعت بعض الأصوات مشيرة إلى أن الملك ذو اليزن منشغل بالمياه وكتاب النيل، دون غزو أو قتال، إلا أن الملك أرعد قاطع الجميع قائلا: الماء ... النيل ... حياتنا!
هب واقفا موضحا وهو يضع قبضته حول عنقه، كمن يعاني اختناقا حقيقيا. - رقابنا ... مقتلنا ... الماء ... النيل.
وكان لدى ذلك الملك - سيف أرعد - حكيمان أو وزيران؛ أحدهما يدعى «سقرديس»، أما الوزير الثاني فيدعى «بحر قفقاف الريف» أو «أبو ريفة».
كان أولهما وهو «سقرديس» يكره العرب - أولاد سام - الذين لا يحبون أحدا من ذرية حام أو الحاميين الأفريقيين؛ لذا اندفع سقرديس من فوره متحاملا ضد التبع ذو اليزن وجيشه ومآربه في أفريقيا التي يسترها ببحثه عن «كتاب النيل» ومنابعه. - إنه مجرد قناع خادع لتغطية أطماعه.
ثم عاد يؤكد: ومن الأفضل لنا المبادرة بحربه وقتله وإفناء جيشه العربي الغازي، الذي استباح بلادنا في غفلة منا جميعا - على حد قول الملك أرعد - ومن الأفضل لنا القضاء على تلك المدينة - أحمرا - التي شيدها التبع اليمني، وجلب إليها الماء من كل مكان، فالخطر، كل الخطر، من تلك المدينة التي أصبحت مضرب الأمثال في الأمن والأمان، حتى اجتذبت التجار والزائرين من مشرق الأرض ومغربها.
Unknown page