Siddiqa Bint Siddiq
الصديقة بنت الصديق
Genres
وراقها أن تدعى أم المؤمنين، وأن يناديها الناس يا أمه يا أمه! فكان في هذا النداء تعزية كما كان فيه تشويق وتذكير.
والمرأة لا يهون عليها فقد الذرية ولا سيما إذا أحبت الزوج الذي تود أن ترزق منه الذرية، ولكنها إذا التمست التهوين فلن تجد تهوينا أبر بها وأروح لقلبها من شعورها بعطف زوجها عليها، وأنها بلغت من ذلك العطف ما لا تزيده الذرية التي تتمناها. •••
قلنا في كتابنا عبقرية محمد: «لسنا ندري لم طالت الفترة التي مضت على أزواج النبي جميعا بغير عقب، ولكنا لا نستبعد تعليلها باجتماع المصادفات التي لا يندر أن تجتمع في أمثال هذه الأحوال، فعائشة البكر التي لم يتزوج النبي بكرا غيرها قد مات عنها عليه السلام وهي دون العشرين، وهي سن قد تبلغها المرأة ولا تلد، وإن كانت ولودا فيما بعدها. أما أزواجه الأخريات اللاتي تزوجن قبله فلا نعلم من أخبارهن أنهن أعقبن لأزواجهن الأولين خلفا غير رملة أم حبيبة وهند بنت أمية المخزومية، وهذه كانت مسنة يوم بنى بها النبي عليه السلام، وفي عمر لا يستغرب فيه امتناع الولادة، فكلهن ما عدا هاتين لم يلدن للنبي ولا لزوج قبله. واجتماع هذه المصادفة ليس بالعجيبة المعضلة التي يصعب تعليلها إذا تذكرنا أن النبي قد توخى في اختيارهن تلك الأغراض العامة التي أجملناها في الفصل السابق، ولم يتحر منها النسل خاصة: وهي الإيواء الشريف والمصاهرة، وبعضهن - بل معظمهن - قد لقين من الشدائد والمخاوف وعناء الهجرة البعيدة ما يعقم الولود، فإذا أضفنا إلى ذلك معيشة الكفاف وضريبة العظمة النبوية التي أشرنا إليها على سبيل الاحتمال، واشتغال النبي فيما بين الخمسين والستين بتعزيز الدين وقمع الفتن ودرء الأخطار، لم يكن فهم تلك الظاهرة الحيوية بالأمر العصي على التعليل.»
وفي صدد الكلام عن عائشة في كتاب خاص بها يدعونا سياق التحليل والتعليل إلى مراجعة البحث والعلم في ظواهر حياتها البيتية، إن كان للعلم كلمة تقال في هذا الموضوع.
فليس من الغريب أن يتأخر حمل المرأة إلى ما بعد العشرين ثم تلد مرات، وقد كان من المحتمل - بل الراجح - أن السيدة عائشة تجاوزت العشرين حين وفاة النبي عليه السلام.
وإذا كان تأخر الحمل إلى ما بعد العشرين لا يطرد لزاما في أحوال النساء فهو من العوارض التي تشاهد ولا تستغرب إذا اتفق لها سبب يرجع في تعليله إلى العلم والمشاهدة.
والعوارض التي نستطيع أن نهتدي إليها في تاريخ السيدة عائشة هي أنها قد أصيبت فيما دون العاشرة بحمى مزقت شعرها كما ذكرت هي في بعض أحاديثها، وأنها كانت توعك من حين إلى حين، كما يفهم من قولها في حديث الإفك: «واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك ... ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ... فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي ...» وقد علمنا من حديث الإفك أنها إذا فوجئت بخبر محزن أو مغضب تصاب بحمى نافض كما يصاب الذين تعاودهم حمى البرداء في هذه الحالات.
والأطباء الذين سألتهم عن هذه الحمى التي تسقط الشعر وتتجدد لها معاودة تنهك الجسم رجحوا أنها البرداء (الملاريا) أو التيفويد، والأولى أرجح؛ لأنها كانت فاشية بأعراضها المعروفة بين أهل المدينة في أيام الهجرة.
قالت السيدة عائشة: «لما قدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
Unknown page