فإن قيل : كيف يمكنكم القول أن المناكير كلها من باب واحد وقد علمنا أن في المناكير ما للاجتهاد فيه مجال ، ومنها ما ليس كذلك.
والأصل في الجواب عن ذلك ، أن الاجتهاد إنما يدخل في أن ذلك الشيء منكر أم لا ، فأما إذا ثبت كونه منكرا فلا مجال للاجتهاد في وجوب النهي عنه.
** واعلم أن المناكير على ضربين : عقلية وشرعية :
فالعقليات منها ، نحو الظلم والكذب وما يجري مجراها ، والنهي عنها كلها واجب ، لا يختلف الحال فيه بحسب اختلاف المقدم عليه بعد التكليف.
والشرعيات على ضربين : أحدهما ، ما للاجتهاد فيه مجال ، والآخر لا مجال للاجتهاد فيه. أما ما لا مجال للاجتهاد في كونه منكرا كالسرقة والزنا وشرب الخمر وما يجري هذا المجرى ، والنهي عن كل ذلك واجب ولا يختلف الحال فيه بحسب اختلاف المقدم عليه. وأما ما للاجتهاد فيه مجال ، فكشرب المثلث فإنه منكر عند بعض العلماء وغير منكر عند البعض ، وما هذا سبيله ينظر في حال المقدم عليه ، فإن كان عنده أنه حلال جائز لم يجب النهي عنه ، وإن كان عنده أنه مما لا يحل ولا يجوز وجب النهي عنه. فعلى هذا ، لو رأى واحد من الشافعية حنيفا يشرب المثلث فإنه ليس له أن ينكر عليه وينهاه ، وبالعكس من هذا لو رأى حنفي شفعويا يشرب المثلث ، فإنه يلزم نهيه والانكار عليه. وعلى الجملة ، فما هذا حاله لا يخرج عن كونه منكرا وإن اختلف بحسب اختلاف المقدمين عليه.
** كيف يقال بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الناس من لم يقل بوجوبه إلا مع إمام
ثم إنه رحمه الله سأل نفسه فقال : كيف يمكنكم أن تقولوا بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي الناس من ذهب إلى أنه لا يجب إلا إذا كان هناك إمام مفترض الطاعة؟ والأصل في الجواب عن ذلك ، أن المخالف فيه لا يخلو ، إما أن يقول : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب لا قولا ولا فعلا إلا عند وجود الإمام المفترض الطاعة ، أو يقول : إنه إنما لا يجب فعلا ولكن يجب قولا ، وكلا القولين فاسد لأن الدلالة التي دلت على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب والسنة والإجماع لم تفصل بين أن يكون هناك إمام وبين أن لا يكون.
Page 93